غياب الشمس يسبب للناس الذي يعيشون في أماكن لا تشرق فيها ولا يستطيعون رؤيتها لمدة تصل إلى أشهر متواصلة خمولاً وحالة من الاكتئاب المستمر، كما أن هناك أماكن عمل مغلقة تشبه القبور، مثل أقبية المستشفيات التي يعمل فيها أطباء التشخيص وأطباء الأشعة، والتي لا يوجد فيها نوافذ أصلاً، مؤثرة بشكل لا يمكن تجاهله على حالتهم النفسية.

لطالما استخدم الضوء كعلاج في حالات الاضطرابات الموسمية العاطفية، وكي يبعد كآبة الشتاء، لكن الحلول تراوحت بين عدة مصابيح تقليدية وغير فعالة، حتى جاء المصمم الإيطالي باولو دي تراباني الذي قرر تصميم مصباح مبتكر وفريد من نوعه على شكل نافذة يأتي منها الضوء، إلى درجة أن الناظر يظنها نافذة حقيقية تدخل منها الشمس.

 أراد باولو لاختراعه CoeLux أن يكون على حائط أو سقف كل مكان مغلق ومصمت لا يمكن للناس رؤية الشمس فيه، حتى يجعل المتاحف ومحطات المترو والأقبية وصالات الألعاب الرياضية وجراجات ركن السيارات وأماكن الرعاية الصحية ودور كبار السن والأقبية والمكاتب المغلقة أقل كآبة مما هي عليه.

وكآبة الشتاء أمر لا يمكن لنا الاستهانة به، فالاضطرابات الموسمية العاطفية أكثر شيوعًا مما نتخيل، خاصة بين النساء، إذ يؤثر عليهن بشكل أكبر بكثير من الرجال، مسببًا حالة من الخمول والإحباط والنوم طوال الوقت واشتهاء الاطعمة النشوية والحلوة، مما يوقعهن في مزيد من الإحباط بسبب زيادة الوزن والإحساس بالثقل المستمر والإعياء وتجنب المجتمع والميل نحو اعتزال الناس وعدم الرغبة في العمل أو القدرة على المذاكرة والتحصيل.

لكن السؤال هو، كيف استطاع فريق المصمم الإيطالي الوصول لهذه الدرجة من الإتقان التي تجعل الشخص يعتقد المصباح نافذة حقيقية تأتي منها الشمس؟

كان العمل معقدًا كفاية ليستهلك من عمر المصمم وفريقه عشر سنين كاملة من العمل المستمر، كي تنتج محاكاة بهذه الواقعية، عمل الفريق على دمج ثلاثة عناصر كي يصلوا إلى هذا التصميم المتقن الذي يحاكي الحقيقة، فقاموا بصنع الشمس أولاً عبر مصابيح الليد بتقنية خاصة جعلتها تشبه الضوء الطبيعي تمامًا، ثم قاموا بعمل نظام بصري معقد استخدموا فيه موادًا نانوية غاية في الدقة ليحاكي وهج الشمس وانبعاث الأشعة، ثم خلفية السماء الزرقاء.

لكن الأمر لم ينته بعد، فقد واجه الفريق تحديات في التصميم عندما تعلق الأمر بجعل ما صمموه ثلاثي الأبعاد وأكثر واقعية وعمقًا، لذلك قاموا بتطوير برمجيات ماكسويل للضوء التي كانوا يعتمدون عليها، ليضيفوا إلى خصائصها تشتت الضوء واستقطابه، كما أضافوا إليها قياسات مطياف الضوء وبياناته، عبر مطياف ضوء افتراضي، كما تمت إضافة واجهة جديدة للمستخدمين من خبراء الضوء إلى المصممين والفيزيائيين، كي تسمح لهم بتفاعل أسهل.

كما قرر الفريق ألا يكون ابتكارهم في النهاية مجرد شمس تشرق من الشباك، بل برمجوه على ثلاث مناظر لثلاث مناطق مختلفة جغرافيًا، فقاموا على برمجته على إشراقة شمس شمال أوروبا حيث تأتي أشعة الشمس من زاوية منخفضة، فقد أتاح نظام CoeLux 30 إشراقة شمس دول الإسكندنافية الدافئة، وأتاح نظام CoeLux 60 إشراقة شمس عمودية تمنح أجواء أكثر هدوءًا وظلالاً أكثر تميزًا، بينما خصص نظام CoeLux 45 ذي ضوء الخمس وعشرين درجة لسكان البحر المتوسط الذين يفتقدون أوطانهم.

تم اختيار هذا الابتكار الفريد ضمن أفضل 12 ابتكارًا في أوروبا لعام 2014 بواسطة المفوضية الأوروبية في مؤتمر الابتكارات الذي عقد في بروكسل، كما قام الاتحاد الأوروبي باختياره ضمن المشروعات التي يقوم بتمويلها، وتم إطلاق هذا الابتكار في مدينة البندقية في إيطاليا.

لكن المشكلة الوحيدة في هذا الابتكار الرائع هي تكلفته، حيث يكلف 61.000 دولار، أي ما يساوي 40.000 يورو، كما أن تركيبه  يكلف 7000  دولار أخرى.