في الوقت الذي يصدر فيه القضاء المصدر أحكامه العالية بحق شباب وقيادات جماعة الإخوان المسلمين بما فيهم الرئيس المعزول محمد مرسي والمرشد وأخرين يقف الإخوان اليوم أمام مفترق تاريخي من عمر الجماعة الذي يعود لأكثر من مئة عام .  

و قد لا تكون هذه المحنة التي تمر بها الجماعة كسابقاتها فكما يعرف الإخوان السجون والمعتقلات والمحاكم العسكرية والأحكام العرفية فهي كذلك تعرفهم جيدا  وربما نجح الإخوان في تجاوز أزماتهم الماضية مرة بالتسوية ومرة أخرى مدت  لهم الظروف والمتغيرات السياسية دلو النجاة من غيهب السجن إلا أن الإحتمالات قد لا تكون في صالحهم هذه المرة .

أثر الفراشة

من خلف القضبان مثقلا بالقيود يرفع مرسي الستيني هامته ويصرخ في وجه القاضي والنيابة العامة ويدلي بتصريحه الشهير عن لجنة تقصي الحقائق الذي يثبت تورط السيسي في انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم بحق الثوار في مختلف الميادين على مر الأحداث والمشاهد الثورية التي تلت يناير طوال الفترة التي كان السيسي يشغل فيها منصب مدير الإستخبارات العسكرية ، وفي الوقت الذي يبدو فيه  المشهد مفعما بالبطولية والرومانسية وتجسيدا للإسلامي الأخير في السرديات الإسلامية إلا أنه جاء متأخراً ، متأخراً جداً وربما بعد فوات الآوان حين نعرف أن هذا لتقرير كان على مكتب الرئيس قبل ستة أشهر من الإطاحة به في الإنقلاب المعرف بإنقلاب يونيو ، لقد كان أحرى بالرئيس أمام هذه الحقائق وأمام التي كان يتعرض لها شخصيا في القصر طوال فترة حكمه  والتي وصلت حد مراقبة تحركاته وسكناته والتنصت عليه ومحاولة عرقلته وفي الوقت الذي يعجز فيه عن إتخاذ أي إجراء قد يتسبب في إنقلاب مبكر لم يكن أمام الرئيس من بد سوى الإستقالة والنزول للميدان لإسترداد الثورة.

إلا أن مثل هذه الإجراءات من الثورية بالدرجة التي لا يملكها الإخوان في نسقهم الإصلاحي المحافظ ، الأمر الذي يستدعي السؤال التالي إلى الأذهان ، ما الذي دفع بالإخوان الى قيادة طلائع الثورة في حين أنها جماعة غير ثورية ؟

وفي حين  لم يكن الترشح للفترة الرئاسية الأولى بعد الثورة هو الخطأ الأخير للحركات الإسلامية في المرحلة الإنتقالية بعد ثورات الربيع العربي فإنه لم يكن الأول كذلك فالإخوان بالرغم من تباطؤهم عن المشاركة الرسمية في الحركة الاحتجاجية والمد الثوري الأول حتى موقعة الجمل فلم ينتظر الإخوان طويلا حتى وقعوا في خطأ سياسي أخر ألا وهو التخلي عن شركاء الثورة   في الحادي عشر من فبراير أو ما يعرف بأحداث محمد محمود والاتفاق مع العسكر وفي حين لم يكتف الإخوان بهذا فإنهم لم يسعوا لتشكيل تحالفات سياسية حكيمة مستقبلية  داخلية وخارجية على السواء وخلال وقت قصير كانوا يضعون الشعب المصري والفصائل والأحزاب الثورية أمام مفاضلة أخلاقية بين مرشح الثورة ومرشح الثورة المضادة  ودخل الإخوان القصر لأول مرة بلا تجربة سياسية كافية ودون حزم ثوري ودون حلفاء معتمدين على رؤيتهم للإصلاح الإقتصادي والتي لم يملكوا من أدواتها سوى  الأمانة والأيادي البيضاء والتي فيما يبدوا لم تسعفهم في مواجهة جحيم الأخريان كما يقول سارتر حيث تقاطعا هذه الرؤية مع مصالح الجمهورية الأخرى التي تتوغل عميقا في مفاصل الدولة والتي تعتمد على الإقتصاد والمعونات الأمريكية العسكرية من اجل البقاء والهيمنة ، ويرجع تجاهل الإخوان لأغلب الملفات الثورية الغير ناجزة مثل محاكمة قتلة الثوار وتطهير القضاء و مؤسسات الدولة من عوالق النظام السابق قبل البدء بتفعيلها لتعمل في صالح الثورة  الى سياسات الإخوان في إمساك العصا من المنتصف والمحافظة على مسافة واحدة من الجميع ، وأثناء إنشغال الإخوان بالتفكير بالطريقة التي ستجعل الصناديق تفرزهم مرة تلو الأخرى وفي ظل غياب المقصلة لم تكن عودة الطاغية في لباس عسكري وخلف نظارات سوداء سوى مسألة وقت فقط .

احتضار الشارع  والغاندية الجديدة

بالرغم من إصدار القضاء المصري حكم الإعدام بحق المرشد العام للجماعة وتنفيذ الحكم فعليا ببعض المعارضين للإنقلاب العسكري الا أن الإخوان ما زالو بالرغم من كل شئ متمسكين بالسلمية المطلقة كخيار إستراتيجي وفي الظل التنكيل المستمر  بهم وسفك الدماء وإنتهاك الأعراض والسلب والنهب يحق لنا أن نتسائل عن جدوى السلمية المطلقة التي يتبناها الإخوان وما الفائدة المرجوة من إدارة الخد الأخر لمن لا يتورع عن صفعك مرارا وتكرار وينتهز كل فرصة لإلحاق الأذى إن السبيل الوحيد لمواجهة القوة هو القوة وفي ظل رفض الإخوان المستمر لأي تسوية بأي شكل وإصرارهم العجيب على مطالبهم دون تراجع ودون سند حقيقي أو قوة ضغط لإرغام العسكر على الإستجابة والرحيل وان الدعوة هنا ليست دعوة لعسكرة الثورة ورفع السلاح ولكنها دعوة للتمرد الحقيقي والكفاح بالقوة التي تجعل المعتدي يرتدع ويخاف كحرق مراكز الشرطة المعروفة سيئة السمعة واقتحام المحاكم والمؤسسات الحساسة مثل اليوم المشهود لإقتحام محكمة أمن الدولة في يناير الأول وربما يكون الحديث الآن عن الحشد القوي والإقتحام والمواجهة متأخراً وبعيد المنال فالبنية الفكرية للإخوان غير مهيأة للعنف الثوري والتنظيم الهرمي الذي بالرغم من إجتثاث معظم قياداته الا انه لا يزال يعمل بنفس الرؤية إذ أن الشباب ليسوا سوى أنساق مستنسخة من فكر العجائز مما يجعل التحرك اليوم أصعب وأصعب بالإضافة للإنهزام النفسي والبرود الثوري الذي تأتى عبر نفاذ الصبر والمذبحة الشعورية اللاحقة لمجزرتي رابعة والنهضة وخيبات الأمل المتلاحقة  وإنشغال المواطن المصري يوما بعد يوم بنفسه .

ورقة أخيرة

إن كل هذا وأكثر يجعل الكهل الثمانيني الذي " يترنح " أمام خسارة حلفائه وقصوره الذاتي عن القيام بأعباء الثورة وهو على مفترق طرق من ثورته على نفسه إذ أن رؤيته للصراع لم تعد تجدي او تكيفه مع واقعه الحالي كضحية وهي المساحة التي يجيد الإخوان اللعب فيها جيدا ، مستنفذا علل وجوده ، منتظرا بصبر أي رصاصتي الرحمة ستريحه من عناء تقليب صفحته الأخيرة .