رغم قوة العلاقات المصرية الإسرائيلية إلا أن مصالح البلدين هي البوصلة التي تحدد ملامح السياسة الخارجية، وترسم خارطة التوجهات الدولية، مهما ترتب على ذلك من آثار ونتائج قد تؤثر بشكل أو بآخر في علاقة الدولتين.

وبعيدًا عن التصريحات التي تصدر ما بين الحين والآخر من تل أبيب بشأن دعمها للقاهرة ونظامها القائم، فإن مساعي الكيان الصهيوني في فرض هيمنته على الشرق الأوسط هي الهدف الأول والأخير له مهما بلغت قوة وانتشار تلك التصريحات، وهو ما تجسد بالفعل في الإعلان مؤخرًا عن إنشاء ميناء بري يربط بين الأردن وإسرائيل.

هذا الميناء الذي وصفه بعض المحللين الإسرائيليين بأنه الأكبر في منطقة الشرق الأوسط يحمل العديد من المخاطر التي تهدد الأمن القومي المصري، وينذر بسحب البساط من تحت أقدام مصر بوصفها الكيان الأكبر والأكثر تأثيرًا في المنطقة.. فكيف سترد القاهرة؟ وماذا عن مستقبل السلام الدافئ؟

التطبيع الأردني الإسرائيلي

بالرغم من وجود بعض الملفات الشائكة بين البلدين، إلا أن العلاقات الأردنية الإسرائيلية هي الأفضل عربيًا، كما تعد المملكة الدولة الثانية بعد جمهورية مصر العربية التي وقعت اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني.

والمتابع لتاريخ علاقات الدولتين يجد أنها أقدم وأسبق من تاريخ معاهدة السلام (وادي عربة) الموقعة بين الطرفين في 1994، حيث التقى الراحل حسين ملك الأردن، وإسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي أكثر من مرة قبل توقيع الاتفاقية، كان آخرها لقائهما الشهير بواشنطن قبيل التوقيع بثلاثة أشهر وإعلانهما من الولايات المتحدة عن نهاية الحرب والصراع بين البلدين ودخول مرحلة جديدة من السلام والتعاون المشترك.

العديد من الملفات الشائكة تهدد العلاقات بين عمّان وتل أبيب، في مقدمتها، النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وقضية اللاجئين، والجدار الإسرائيلي العازل، ومبادرة السلام العربية، والمستوطنات، إلا أن ذلك لم يمنع البلدين من تحقيق تعاون في العديد من المجالات، السياسية، والاقتصادية، والأكاديمية، والزراعية، ومع ذلك فهناك معضلة تهدد مستقبل اتفاقية السلام المبرمة بين الجانبين، تتمثل في تنامي الموقف الشعبي الأردني المعارض للتطبيع مع إسرائيل وهو ما يشكل حجر عثرة أمام الإدارة الأردنية في مساعيها الرامية إلى مزيد من التطبيع مع الكيان الصهيوني.

بالرغم من وجود بعض الملفات الشائكة بين البلدين، إلا أن العلاقات الأردنية الإسرائيلية هي الأفضل عربيًا

ومؤخرًا حققت مسيرة التطبيع بين عمّان وتل أبيب قفزات هائلة من التمديد والتنوع، حيث أقر البرلمان الأردني منذ أشهر قليلة قانون صندوق الاستثمار الأردني لعام 2016، والذي يسمح بمقتضاه للشركات الإسرائيلية للمساهمة في المشاريع الحكومية الاستثمارية بالأردن، وتملك الأراضي بها، بما يخالف الدستور هناك، وهو ما تسبب في حالة من الجدل الشعبي والتشريعي بالمملكة.

ثم جاء الإعلان عن توقيع الحكومة الأردنية ممثلة في شركة الكهرباء، لاتفاقية استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل عبر شركة "نوبل إنيرجي" الأمريكية، بقيمة 15 مليار دولار خلال الـ 15عامًا المقبلة، ليلقي هو الآخر بظلاله القاتمة على المشهدين الأردني والعربي.

العاهل الأردني ورئيس وزراء إسرائيل

الميناء البري الأكبر في الشرق الأوسط

في قفزة جديدة نحو التطبيع بين إسرائيل والأردن، تم الإعلان عن نية البلدين في إنشاء ميناء بري للبضائع يربط بين عمّان وميناء حيفا المحتل، ويعد هذا الميناء هو الأكبر والأضخم في الشرق الأوسط بحسب خبراء الملاحة والمحللين، حيث سيكون جزءًا من شبكة خطوط شحن برية عملاقة ستربط إسرائيل بالمنطقة، والميناء مخصص للحاويات الكبيرة والشحن إلى دول الخليج وتركيا وحتى العقبة والبحر الأحمر عبر الأردن.

أما بخصوص جهة التمويل والإشراف، فقد ترددت الأنباء عن تولي شركة أمريكية مسؤولية الإشراف الكامل على هذا المشروع بترخيص رسمي وقانوني من السلطات الأردنية، فضلاً عن إشرافها على إيرادات ومصروفات المشروع فيما بعد، وتحديد الجهات المالكة والمشاركة فيه.

الإعلان عن نية الأردن وإسرائيل في إنشاء ميناء بري للبضائع يربط بين عمّان وميناء حيفا، ويعد هذا الميناء هو الأكبر والأضخم في الشرق الأوسط بحسب خبراء الملاحة والمحللين

وبحسب ما تم نشره أمس، أفاد مواطنون وأصحاب عقارات في شرقي العاصمة عمان، وتحديدًا في منطقة "اللبن"، بأن المشروع شهد تسارعًا ملحوظًا في إطار التمهيد لإقامته، حيث دفع ائتلاف الشركات التي تجهز له حتى اللحظة ما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار، بدلًا من الاستملاكات للأراضي التي ستقام عليها مرافق الميناء البري العملاق والطرق الدولية التي ستربطه بميناء حيفا المحتل.

يذكر أن مشروع الميناء البري المزمع إنشاؤه بين عمّان وحيفا ليس الأول من نوعه للربط بين إسرائيل ودول المنطقة، بل سبقته عدة محاولات باءت جميعها بالفشل، إلا محاولة واحدة تمثلت في تدشين مشروع سكة قطار يربط بين مدينة حيفا الإسرائيلية بمنطقة بيسان على الحدود الأردنية، حسبما جاء على لسان المدير العام لشركة قطارات إسرائيل، بوعز تسفرير، قائلاً إن خط القطار سيربط ميناء حيفا بجسر الشيخ الحسين الواقع في منطقة الأغوار الشمالية، وسيواصل طريقه إلى الأردن، مرورًا بمدينة إربد تحديدًا، وبعدها للعاصمة عمان، ويسمى هذا الخط "سكة حديد الحجاز".

 

تهديد الأمن القومي المصري

يمثل مشروع الميناء البري المزمع إنشاؤه للربط بين عمّان وحيفا ومن قبله سكة حديد الحجاز خطرًا كبيرًا على الأمن القومي المصري، لما يحمله من تهديدات أمنية واقتصادية ومجتمعية، وهو ما يجب أن تضعه القاهرة تحت مجهر العناية والاهتمام في الفترة القادمة.

*تراجع إيرادات قناة السويس

بحسب ما أعلنته هيئة قناة السويس في بداية هذا العام 2016، فإن إيرادات البلاد من القناة انخفضت في عام 2015 إلى 5.175 مليار دولار، مقارنة بما كانت عليه في العام السابق، حيث بلغت إجمالي الإيرادات في 2014 حوالي 5.465 مليار دولار، ما يعني أن الإيرادات السنوية انخفضت بنحو 289.7 مليون دولار.

ولا شك أن ميناء بهذا الحجم تسعى من خلاله إسرائيل إلى التوغل داخل أسواق الشرق الأوسط، لتكون حلقة الوصل بين أوروبا من جانب والخليج وتركيا ودول آسيا من جانب آخر، سيكون له الأثر السلبي على قناة السويس، مع ترجيح احتمالية انخفاض إيراداتها أكثر وأكثر خاصة في ظل تراجع حركة التجارة العالمية، كذلك مع استمرار التوتر السياسي والأمني الداخلي في مصر والذي قد يعطي صورة سلبية عن حركة الملاحة المصرية، ما يدفع الدول صاحبة الحاويات التجارية إلى التفكير في بديل آخر للقناة، وحينها ستنحصر الخيارات بين قناة بنما وميناء إسرائيل الأردن البري.

*التواجد الصهيو أمريكي

في حال إنشاء هذا الميناء فإنه سيمثل خنجرًا في خاصرة مصر الشرقية، لا سيما وأنه سيتمحور في المقام الأول بميناء العقبة والشريط الحدودي على البحر الأحمر، وصولاً إلى العاصمة الأردنية عمّان، وكما هو معروف فإن خليج العقبة هو الفرع الشرقي للبحر الأحمر المحصور بين شرق شبه جزيرة سيناء وغرب شبه الجزيرة العربية، كما أنه يعد المنفذ الوحيد لكل من إسرائيل والأردن على البحر الأحمر.

هذا المنفذ البحري حال إتمام المشروع سيصبح مرتعًا للتجار الإسرائيليين والجهات الإشرافية الأمريكية على الجانبين، من ناحية ميناء العقبة تجاه الأردن، وميناء إيلات في الجانب الإسرائيلي، وهو ما يمثل تهديدًا للأمن القومي المصري، إذ ستعد هذه المنطقة مفتوحة للجميع دون قيد أو شرط، ما يجعل الطريق إلى مصر سهلاً أمام العناصر المتطرفة أو الجهات التي تكن عداءً للقاهرة، خاصة بعد تضييق الخناق على الجماعات المتطرفة في سيناء.

*تراجع دور مصر الإقليمي

ليس ثمة خلاف على حيوية الدور الذي تلعبه مصر في المنطقة العربية والذي أكسبها إلى حد بعيد الكثير من زخمها وهيبتها منذ أمد طويل، بيد أنه في الآونة الأخيرة ثارت علامات استفهام كثيرة حول طبيعة هذا الدور، خصوصًا في ظل ما يعتريه من تغيرات صبت في مجملها في انحساره وتراجعه بشكل غير معهود، وتحديدًا منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، الأمر الذي اعتبره البعض خروجًا عن المألوف.

كما أن تقييم قوة أو ضعف الدور الإقليمي المصري يتحدد بناء على ملفين أساسيين، يرسمان مسار هذا الدور صعودًا وهبوطًا وهما: ملف الصراع العربي الإسرائيلي، والذي ينظر إليه الكثيرون باعتباره المرآة العاكسة لسطوع الدور المصري أو خفوته، وذلك بغض النظر عن مدى صحة هذا الاعتقاد أو خطئه، فهذا هو ما جرى عليه العرف - العربي - في تقييمه للدور المصري، أو هكذا فُهم، والثاني هو الملف الإفريقي بشقيه المائي والسياسي.

ومن الملاحظ أن الدور المصري في مسألة الصراع العربي الإسرائيلي قد خفُت منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، وتحديدًا منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979، فإن هذا الدور قد تراجع - فلسطينيًا - بشكل واضح إبان عقد التسعينات من نفس القرن، كما نجحت إسرائيل من خلال استغلال علاقتها القوية بواشنطن في تحجيم أي دور عربي فيما يخص تطورات الصراع مع الفلسطينيين، بما فيها الدور المصري، ولا ينكر أحد مدى التأثير الذي تركته العلاقات بين القاهرة وواشنطن فيما يخص قوة الموقف المصري من هذا الصراع.

 

من الملاحظ أن الدور المصري في مسألة الصراع العربي الإسرائيلي قد خفُت منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، وتحديدًا منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979

 

الميناء الجديد الذي يربط بين إسرائيل والأردن سيضيف حلقة جديدة من حلقات تراجع دور مصر إقليميًا خاصة فيما يتعلق بالقضية العربية الإسرائيلية، فالتبني القاهري للأشقاء في غزة طيلة العقود الطويلة، وإن تأرجح ما بين الحين والآخر، ها هو اليوم في مهب الريح، فبعد أن تفننت مصر في توسيع الفجوة بينها وبين فلسطين لا سيما فيما يتعلق بالمحاصرين داخل قطاع غزة، فضلاً عن الدعم السري لمحمد دحلان في مواجهة أبومازن، تراجع الرهان الفلسطيني على مصر قليلاً، ليحل محله كيانات أخرى في مقدمتها السعودية وتركيا.

وبعد أن كانت مصر تحقق ما يقرب من ملياري دولار قيمة التبادل التجاري مع قطاع غزه، ها هي تفقدهم هي الأخرى بما تبنته من استراتيجيات أمنية مؤخرًا على الشريط الحدودي في سيناء أفقدها هذا المورد الهام سياسيًا قبل أن يكون اقتصاديًا، ومن ثم ومع إنشاء الميناء الجديد لم تجد غزه حاجة لها في التبادل التجاري مع القاهرة، إذ بإمكانها تفعيل سبل التعاون والتبادل مع دول الخليج وتركيا والعراق والشرق الأوسط من خلال هذا الممر الجديد.

أردوغان وأبومازن وحضور فعّال لتركيا في القضية الفلسطينية

 

هل ترد القاهرة؟

بالرغم من الإعلان عن نية كل من عمّان وتل أبيب البدء في هذا المشروع الخطير، إلا أن القاهرة تلتزم الصمت حتى الآن دون أي رد فعل يذكر، بما يضع العديد من علامات الاستفهام، فهل تقف مصر مكتوفة الأيدي أمام هذا المخطط الذي يهدف إلى سحب البساط من تحت الأقدام، وحصر الدور المصري في الشجب والإدانة والاستنكار، وأن تغيب مصر عن محيطها العربي كما غابت عن المحيط الإفريقي ما ترتب عليه أزمات لا زالت تدفع القاهرة فواتيرها حتى الآن، ثم أين الدبلوماسية المصرية من هذا المشروع؟ ألا يستحق أن تبذل مصر لأجله ولو جزء مما بذلته في قضية سد النهضة الإثيوبي؟ أم أن القاهرة بإملاءات أمريكية لا ترغب في تعكير صفو العلاقات مع الجارة إسرائيل، وتسعى بكل ما أوتيت من قوة لاستمرار السلام الدافئ حتى ولو على حساب دورها الإقليمي وأمنها القومي؟.

وتبقى كلمة واحدة هي أن الدور المصري رغم انحساره وخفوته، يظل يحمل بريقًا خاصًا تجد صداه في نفوس عربية عديدة، دون أن يقلل ذلك من حتمية إعادة النظر في طبيعة هذا الدور كي يتناسب ومكانة مصر التاريخية.