تتواصل فعاليات اليوم الثاني لزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمملكة العربية السعودية، وسط زخم إعلامي وسياسي - محلي وإقليمي - غير مسبوق، في ظل المفاجآت التي خرج بها اليوم الأول، سواء من حيث حجم الصفقات المبرمة والتي تعد سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين، أو من حيث الاستقبال التاريخي لترامب وأسرته وما تخلله من بعض الدلالات.

جدول أعمال الرئيس الأمريكي وفريقه المعاون في يومهم الثاني مليء باللقاءات والفعاليات التي تدور في فلك محاربة التطرف والإرهاب، بداية بالمشاركة في منتدى الرياض لمكافحة التطرف والذي ينظمه مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وافتتاح المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف، ثم القمة الخليجية الأمريكية التي تجمع الرئيس الأمريكي بقادة وزعماء دول الخليج.

ويختتم ترامب يومه بالقمة المرتقبة التي تجمع زعماء وقادة وممثلين لما يقرب من 55 دولة عربية وإسلامية في لقاء يتقلد فيه الرئيس الأمريكي ثوب الواعظين، حين يقف متحدثًا عن الإسلام داعيًا لتوحيد كلمة المسلمين مطالبًا ببذل الجهد لنشر رسالة السلام التي جاء بها الإسلام، وذلك قبل أن ينطلق إلى "العاصمة الإسرائيلية تل أبيب" لمناقشة سبل دعم العلاقات معها وتعزيز قدراتها الأمنية في مواجهة جيرانها من العرب والمسلمين.

380 مليار دولار حصيلة اليوم الأول

وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، حزمة من الاتفاقيات الثنائية أطلق عليها "الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية"، وذلك أمس السبت بقصر اليمامة بالرياض.

الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين بلغت قرابة 34 اتفاقية في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، تجاوزت قيمتها 380 مليار دولار في صفقة وصفت بـ"التاريخية"، حيث عول عليها الجانبان - لا سيما السعودي - في فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الرياض وواشنطن خلال المرحلة المقبلة، بما يعالج التوتر الذي شاب العلاقات بين الجانبين في عهد باراك أوباما.

الاتفاقيات الموقعة بالأمس هي الأولى من نوعها من حيث الكم والكيف في تاريخ البلدين، ومن أبرزها عقود تسليح أمريكية للمملكة العربية السعودية بقيمة 110 مليارات دولار، وتعهد الرياض بتجميع 150 طائرة هليكوبتر بلاكهوك في المملكة، في صفقة قيمتها 6 مليارات دولار من المتوقع أن تؤدى إلى توفير نحو 450 فرصة عمل.

أما في مجال الطاقة، فقد وقعت شركة النفط الوطنية السعودية "أرامكو" عددًا من الاتفاقيات قيمتها 50 مليار دولار مع شركات أمريكية، في إطار حملة لتنويع مصادر الاقتصاد السعودي بحيث لا يعتمد فقط على صادرات النفط.

 قرابة 34 اتفاقية تم توقيعها بين الرياض وواشنطن في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، تجاوزت قيمتها 380 مليار دولار في صفقة وصفت بـ" التاريخية"

كما شملت حزمة الصفقات عددًا من الاتفاقيات الأخرى في شتى المجالات منها: 3 اتفاقيات في مجال الحفر والتنقيب عن البترول، اتفاقية الرعاية الصحية "المعدات الطبية"، 4 اتفاقيات في أنظمة الدفاع "المؤسسة العامة للصناعات الحربية"، اتفاقية تأسيس صندوق الاستثمار في البيئة التحتية، اتفاقية في المجال الجوى تشمل شراء طائرات، اتفاقية إنشاء شركة رائدة في إدارة المشروعات، اتفاقيتان في مجال التعدين: الأولى لتوسيع إنتاج الألمونيوم، والثانية اتفاقية وعد الشمال، التوقيع على اتفاقية التجمعات الصناعية واتفاقية مصنع لقاحات طبية، اتفاقية لبناء مركز تخزين معلومات، اتفاقية شراء وتوطين صناعات مروحيات عسكرية.

كذلك: اتفاقية في مجال توليد الطاقة، اتفاقية تأسيس صندوق للاستثمارات التقنية، اتفاقية في مجال الاستثمارات البتروكيميائية، اتفاقية تأسيس مصنع للإيثيلين في الولايات المتحدة الأمريكية، 6 اتفاقيات لتصنيع وتوريد الخدمات المتعلقة بالنفط والغاز، اتفاقيتي تعاون في مجالات الرقمنة والبحث والتطوير، اتفاقية في مجال الرقمنة التكنولوجية، واتفاقية في مجال الاستثمارات العقارية.

القمة الإسلامية الأمريكية

بمشاركة قادة وممثلين عما يقرب من 55 دولة عربية وإسلامية تنطلق اليوم فعاليات القمة العربية الإسلامية المرتقبة، التي يلتقي فيها الرئيس الأمريكي بأبرز قادة العالم العربي والإسلامي.

تناقش القمة مخاطر الإرهاب والتطرف وبحث سبل مكافحته، فضلًا عن الخطاب الذي من المقرر أن يلقيه دونالد ترامب عن الإسلام وسماحته، ومناشدته بضرورة توحيد دول العالم الإسلامي من أجل التصدي للعدو الحقيقي الذي يعتبره الرئيس الأمريكي الإرهاب والتطرف الديني.

ترامب وبحسب ما أشار مستشار الأمن القومي، هربرت ريموند ماكماستر، سيحث الزعماء والقادة العرب والمسلمين المستمعين لخطابه على اتخاذ بعض الخطوات والإجراءات التي من شأنها - وفق تصوره - أن تساهم في القضاء على التطرف وتساعد على نشر رسالة السلام التي أقرها الدين الإسلامي، أبرزها "طرد الإرهابيين من أماكن العبادة".

ومن أبرز المشاركين في القمة من القادة العرب والمسلمين: العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين، ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، الملك محمد السادس ملك المغرب، قابوس بن سعيد سلطان عمان، أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، رئيس جمهورية أذربيجان إلهام حيدر علييف، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، الرئيس العراقي محمد فؤاد معصوم، الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، والزعيم النيجيري محمد إيسوفو، بالإضافة إلى رؤساء وزراء لبنان وماليزيا وبنغلاديش.

القمة العربية الإسلامية الأمريكية ستناقش مخاطر الإرهاب والتطرف وبحث سبل مكافحته، فضلًا عن الخطاب الذي من المقرر أن يلقيه دونالد ترامب عن الإسلام وسماحته

ترامب يتوسط قادة دول الخليج في القمة الأمريكية الخليجية

البشير وعون.. لماذا لم يحضرا؟

العديد من التساؤلات فرضت نفسها بشأن من يحدد الأسماء المدعوة لحضور القمة العربية الإسلامية الأمريكية، وهل هي السعودية أم الولايات المتحدة؟ وإن كانت السعودية فهل تقدم كشفًا بأسماء المدعوين من قادة وزعماء العالم الإسلامي للبيت الأبيض أولَا حتى يتم الموافقة عليه؟ كل هذه الأسئلة وإن كانت بالأمس لا محل لها من الإعراب إلا أنها اليوم توضع من جديد تحت مجهر النقاش والبحث، خاصة بعد الذي حدث مع الرئيس السوداني عمر البشير.

البداية تعود إلى الثلاثاء الماضي حين توجه وزير الدولة عضو مجلس الوزراء السعودي، محمد بن عبد الملك آل الشيخ، إلى العاصمة السودانية الخرطوم حاملًا دعوة خادم الحرمين للرئيس السوداني لحضور القمة العربية الإسلامية الأمريكية، ورحب بها الأخير بصورة كبيرة، مؤكدًا أن هذا اللقاء الذي سيجمعه بالرئيس الأمريكي سيعيد السودان مجددًا على خارطة المجتمع الدولي.

لكن سرعان ما جاء الرد الأمريكي على هذه الدعوة، فحسبما نقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن مسؤول رفيع في الخارجية الأمريكية فإن واشنطن ترفض دعوة الرئيس السوداني لحضور القمة، بزعم أن الولايات المتحدة تعارض دعوة أي شخص مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، بمن في ذلك البشير.

وعلى الفور جاءت الاستجابة السعودية للطلب الأمريكي بعدم حضور البشير، وهو ما كشفه مسئول بالبيت الأبيض من أن الإدارة الأميركية تلقت تأكيدات سعودية بأن الرئيس السوداني لن يشارك في القمة الإسلامية ـ الأمريكية بالرياض، موضحًا أن " ترامب لا يرغب بوجود البشير في القمة".

بعد واقعة عمر البشير البعض يتساءل: هل قدمت الرياض كشفًا بأسماء المدعوين من قادة وزعماء العالم الإسلامي للقمة العربية الأمريكية للبيت الأبيض أولًا حتى تتم الموافقة عليها؟

المسؤول الأمريكي ثمن الاستجابة السعودية الفورية حين أشار إلى أن ترامب ماض إلى الاجتماع وهو يتوقع "أن البشير لن يكون موجودًا هناك، ونحن لا نريده هناك ولا نعتقد أنه سيكون هناك، نحن نقدر للمضيفين السعوديين عدم دعوته والطلب منه ألا يكون هناك".

سؤال آخر فرض نفسه بقوة عن الدافع وراء عدم دعوة الرئيس اللبناني ميشال عون إلى حضور القمة في الوقت الذي تمت فيه دعوة رئيس الحكومة سعد الحريري، بالرغم من تحسن الأجواء بين الديوان الملكي وعون الذي اختار السعودية لتكون محطته الأولى خارجيًا بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية السابقة.

البرلماني فادي الأعور، عضو "تكتل التغيير والإصلاح" فسر عدم دعوة رئيس بلاده لتلك القمة في تصريحات لـ"سبوتنيك"، بأن السبب وراء عدم دعوته "الموقف الوطني للبنان في مواجهة العدو الإسرائيلي".

وتابع: "هذه القمة لخدمة "إسرائيل" ولن تلحظ أي نتائج لمصلحة العرب إلا تقسيم الدول العربية، وهذه ليست أول قرارات تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" والعرب على لبنان ومقاومته، لهذا السبب مهما فعلوا لن ينالوا منا".

استجابة السعودية لرغبة ترامب في عدم حضور البشير أثار حالة من الجدل

مستمعون أم مشاركون؟

البعض يتساءل عن كيفية إدارة الرئيس الأمريكي للقمة العربية الإسلامية، وهل يسمح للقادة والزعماء العرب بالمشاركة الحقيقية الجادة أم يكتفون بدور المستمع فقط دون أن يتدخلوا فيما يلقيه على مسامعهم من كلمات ورسائل ضمنية، إضافة إلى مدى التزام الحضور بما يلقيه ترامب خاصة أن مستشاره للأمن القومي أشار إلى أنه سيحث الدول الإسلامية على اتخاذ بعض القرارات والإجراءات التي من شأنها محاصرة التطرف.

العديد من الملفات يجب أن تكون على جدول أعمال هذه القمة التي ربما لا تتكرر في الوقت القريب، خاصة في ظل ما أبداه ترامب منذ ولايته من تقلب في المزاج وتباين في الرؤى حيال القضايا التي تهم العرب والمسلمين على وجه الخصوص، على رأسها موقفه من هجرة العرب والمسلمين لبلاده، موقفه من الأزمة السورية واليمنية، موقف بلاده من الصراع العربي الإسرائيلي وسبل حلحلة الأزمة، ثم موقفه الشخصي من مسألة نقل السفارة الأمريكية للقدس حسبما تعهد قبل ذلك.

وهنا تساؤل: إن لم يتحدث ترامب خلال هذه القمة عن هذه الملفات والقضايا الشائكة التي قد تحدد مستقبل العلاقة بين أمريكا ودول الشرق الأوسط عامة فهل يتقدم أي من الحضور لسؤاله عن هذه المسائل؟

القادة العرب والمسلمون المشاركون في القمة هل يفتحون الملفات الشائكة فيما يتعلق بموقف أمريكا من العرب والمسلمين خلال لقائهم ترامب أم يكتفون بدور المستمع؟

تباين في الآراء

تباينت ردود فعل المتابعين لزيارة الرئيس الأمريكي للسعودية عن دوافع الزيارة ونتائجها، فضلاً عن المكاسب التي من المقترح أن يحصدها العرب والمسلمين من هذه الزيارة، حيث تم تدشين أكثر من هاشتاج للتعليق على هذه الزيارة أبرزهم: #قمة_الرياض، #RiyadhSummit ، #القمه_الخليجيه_الامريكيه، #بنت_ترامب، #القمة_العربية_الإسلامية_الأمريكية،

وبخصوص القمة العربية الإسلامية المقررة اليوم، فقد تباينت وجهات النظر عما يمكن أن تتمخض عنه من قرارات أو نتائج.

المحامي والحقوقي هيثم أبو خليل، غرد منتقدًا تقلد ترامب ثوب الداعية والخطيب الذي يحاضر عن الإسلام في بلد الإسلام:

وآخر ينتقد تمايز الرياض في تعاملها مع الدول الإسلامية مقارنة بأمريكا:

وفي المقابل هناك من يرى في هذا التقارب الأمريكي السعودي قوة للمملكة في مواجهة إيران:

وآخر يؤكد على تهديدات محمد بن سلمان السابقة:

وفي النهاية حذر البعض من مآلات هذه القمة:

العديد من المكاسب استطاع ترامب أن يحققها من وراء زيارته للسعودية سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، فضلاً عن نجاحه في إحياء دور بلاده شرق أوسطيًا مرة أخرى، في الوقت الذي سيقف فيه قادة العالم العربي والإسلامي المستضيفين أو المشاركين في القمم التي عقدت مع الجانب الأمريكي في انتظار ما ستسفر عنه هذه اللقاءات.