بين عشية وضحاها، ومن تأكيد رسمي على عدم التدخل أو التعليق، على التطورات الأخيرة بين قطر وبعض الدول العربية، تغير الموقف الأردني وتبدل من الحياد إلى اتخاذ موقف واضح من الأزمة، وإن كان لم يصل إلى مستوى مواقف السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

على حين غرة ودون أي مقدمات وبموقف فاجأ المراقبين والمتابعين، قرر الأردن مساء الثلاثاء، تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع قطر، إلى جانب إلغاء تراخيص مكتب قناة الجزيرة القطرية في المملكة، وفق ما صرح به وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد المومني.

وقال المومني في تصريح نقلته عنه وكالة بترا للأنباء، إن “الحكومة تأمل بتجاوز هذه المرحلة، وحل الأزمة على أرضية صلبة تضمن تعاون جميع الدول العربية على بناء المستقبل الأفضل”، مؤكدا على “ضرورة تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، والتقاء الدول العربية على السياسات التي تنهي أزمات المنطقة العربية”.

فمع بداية اندلاع الأزمة الخليجية، حاول صاحب القرار مسك العصا من الوسط، وبدت إستراتيجية عمّان التي تمثلت بالتريث والترقب في التعاطي مع الأزمة واضحة تماما للمراقب، فهي وسط خيارات معقدة ومشتبكة يصعب فيها اتخاذ موقف وقرار.

يبدو أن القرار الأردني تجاه قطر تم اتخاذه في السعودية، أثناء زيارة الملك عبد الله الثاني للرياض والتقاءه الملك سلمان بن عبد العزيز الأسبوع الماضي، فالرياض في ظل أزمتها مع قطر بالتأكيد كانت تنتظر موقفا من عمّان لصالحها بدون أي مقابل

فقد تداولت صحف ووسائل إعلامية، تصريحات نسبت لمصدر حكومي مسؤول مساء الاثنين أي قبل اتخاذ قرار التخفيض الدبلوماسي، تفيد بأن “الأردن لن يدلي بتصريحات ولن يعلق على التطورات الأخيرة في منطقة الخليج”، لكن ما الذي تطور ودعا إلى اتخاذ العاصمة الأردنية هذا الموقف؟

يبدو أن القرار الأردني تجاه قطر تم اتخاذه في السعودية، أثناء زيارة الملك عبد الله الثاني للرياض والتقاءه الملك سلمان بن عبد العزيز الأسبوع الماضي، فالرياض في ظل أزمتها مع قطر بالتأكيد كانت تنتظر موقفا من عمّان لصالحها بدون أي مقابل، وفق ما يتصور مراقبون.

تضامن شعبي واسع مع قطر

خلال بحثنا واتصالاتنا في “أردن الإخبارية” مع سياسيين ومحللين ليتحدثوا ويدلوا بآرائهم في الموضوع، تفاجئنا أن معظم من اتصلنا معهم للحديث عن القرار الأردني، اعتذروا بدبلوماسية، ومنهم من آثر عدم الاعتذار شخصيا بعد علمه بالموضوع، ففضل أن يعتذر عن طريق السكرتير أو السكرتيرة لحساسية القضية.

ما مبررات الدولة الأردنية لهذا القرار؟

لكن المحلل السياسي سلطان الحطاب، رأى أن “القرار الأردني تجاه قطر له ما يبرره، في ظل ما أسماه الإساءات المتكررة من الدوحة ضد الأردن، فهو لم يأت تحت ضغوط خارجية ولم يكن قرار المضطر أيضا”.

وقال الحطاب لـ”أردن الإخبارية” إن “الأردن عانى كثيراً من قطر قبل معاناة الإمارات والسعودية ومصر، وقد تمثلت هذه المعاناة في الإساءات الإعلامية المتكررة للنظام الأردني، والمزايدة على الموقف الرسمي عبر جماعة الإخوان المسلمين في كثير من المحطات”، على حد تعبيره.

الحطّاب: الأردن حريص على إبقاء شعرة معاوية مع قطر وعدم قطعها بتاتا

واعتبر الكاتب أنه “رغم صدور القرار الأردني بتخفيض التمثيل الدبلوماسي وإغلاق مكاتب الجزيرة، إلا أن القرار كان فيه شي من النعومة حيث لم يصل إلى درجة الطلاق البائن بينونة كبرى مثلما فعلت باقي الدول المقاطعة، وهذا يدل على أن الأردن حريص على إبقاء شعرة معاوية مع قطر وعدم قطعها بتاتا”، كما وصف.

وحول وجود مفارقة في الموقف الأردني حيال قطر من جهة، والموقف من الأزمة السورية من جهة أخرى، شدد الحطاب على أن “لا تعارض بين الموقفين، فهما متشابهين إلى حد كبير، ففي الأزمة السورية صحيح أن الأردن لم يقطع علاقاته مع النظام السوري بتاتا، فأبقى على مساحة للمناورة والتنسيق، كذلك فعل مع قطر والدليل على أنه قام بتخفيض التمثيل الدبلوماسي ولم يعمل على إلغاءه بالشكل الكامل”.

إغلاق مكاتب الجزيرة ومطالبات بالتراجع

وحول قرار إغلاق مكاتب الجزيرة وإلغاء تراخيصها الرسمية، رفض الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين نضال منصور، قرار الإغلاق، معلناَ عن معارضته له، معربا في الوقت ذاته عن أمله بتراجع الحكومة عن القرار والسماح للقناة بمزاولة عملها كالمعتاد.

وقال منصور لـ”أردن الإخبارية” إنه “لا يسرنا ولا يسعدنا إغلاق أي وسيلة إعلام في أي مكان سواء في الأردن أو خارجه”، معتبرا أن القرار يأتي “في سياق التضييق على حرية الإعلام والتجاوز على حق الجمهور في متابعة ومشاهدة الإعلام الذي يفضلون ويريدون”.

ونوه منصور إلى أن “القرار الحكومة بسحب تراخيص القناة، يسهم في تراجع الأردن على مؤشرات حرية الصحافة بالعالم”، مناشدا في الوقت نفسه الحكومة “بإلغاء القرار والتراجع عنه لما فيه مصلحة لسمعة الأردن أمام المؤسسات والمنظمات الحقوقية في العالم”.

آثار اقتصادية سلبية للقرار الأردني

أما حول آثار القرار الأردني على الصعيد الاقتصادي، استبعد الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الزبيدي أن تكون الآثار الاقتصادية كارثية على الاقتصاد الوطني، في الوقت الذي لم ينف فيه وجود آثار لكنها غير مؤثرة.

وبرر الزبيدي في حديث لـ”أردن الإخبارية” عدم كارثية الآثار بقوله إن “الآثار لن تكون كارثية أو مؤثرة بشكل مخيف وقوي، لأن العلاقات الاقتصادية بين الأردن وقطر لست بالشكل الواسع الكبير، فهي محدودة وتنشط في قطاعات معينة، وفي حال توقفت فلن تؤثر فهناك بدائل لها”.

بيد أن الزبيدي استدرك بقوله “هذا لا يعني أننا نرضى ونوافق على توقف المصالح بين البلدين، فمهما كانت الآثار والتبعيات فهي بالتأكيد سلبية ومدمرة للبعض”.

وحول التخوفات التي يتم تداولها بشأن الأردنيين في قطر، أكد الزبيدي على “ضرورة عدم تخوف الجالية الأردنية في قطر، من قرار تخفيض التمثيل الدبلوماسي، مؤكدا أن الحكومة الأردنية لم تطلب مغادرة مواطنيها الأراضي القطرية كما فعلت الدول الخليجية المقاطعة، وكذلك قطر لم تصدر قرارا بطرد الأردنيين من أراضيها، لذلك الأوضاع مطمئنة إلى الآن”.

وأردف الزبيدي قائلا: “لا أتوقع أن تقوم قطر بإصدار قرار يقضي بطرد الأردنيين من أراضيها، لأن ذلك له سلبيات على الاقتصاد القطري كما الأردني، كما أنه من الصعب الاستغناء عن 47 ألف عاملا وموظفا أردنيا بهذه السهولة وبجرة قلم”.

الثمن أو الفائدة؟

وبخصوص الثمن أو الفائدة العائدة على الأردن من جراء القرار تجاه قطر، رفض مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية الدكتور موسى اشتيوي هذا التوصيف، مشددا على أن “القرار الأردني مبني على مبدأ ثابت نابع من سياسة خارجية واضحة للجميع”.

وقال اشتيوي لـ”أردن الإخبارية” إن “الأردن له مصالح استراتيجية مع الإمارات والسعودية ومصر، لذلك جاء هذا القرار الذي تمثل بموقف متوازن ورسالة سياسية لقطر، معبرا عن السياسة الأردنية الخارجية التي طالما رفضت التصعيد والتأزيم بين الدول العربية”.

وأردف اشتيوي بقوله إن “الدليل على أن القرار الأردني مستقل وغير مرهون لأحد، أنه لم يصل في مستواه للقرار السعودي والإماراتي والمصري والبحريني، بمعنى أن الأردن لم يطرد القطرين الموجودين على أراضيه، ولم يغلق الأجواء الجوية أمام الطيران القطري، ولم يوقف المعاملات الاقتصادية مع الدوحة”، على حد تعبيره.

إلا أن كثير من الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي اعتبروا هذا القرار مرهون بقرار المملكة العربية السعودية، وأنه جاء بعد ضغط كبير من حلف الرياض الذي يسعى الآن لجمع أكبر عدد من الدول لمقاطعة قطر، حتى تلك البعيدة أو الصغيرة أو المهمشة حول العالم.

دخول الأردن على خط الأزمة بأرقام اقتصادية

من المعلوم أن عدد الأردنيين في قطر يصل إلى 47 ألف، يعمل معظمهم في وظائف إدارية وقيادية، وفق ما صرح به سفير دولة قطر في الأردن بندر بن محمد العطية.

وحسب رئيس هيئة الاستثمار الأردني ثابت الور، فإن حجم الاستثمارات القطرية في الأردن وصل إلى حوالي 85 مليون دولار.، فيما بلغت في مركز إيداع الأوراق المالية 1.6 مليار دولار.

وكان ملتقى الأعمال الاقتصادي الأردني القطري عرض في نهاية العام الماضي، فرصا استثمارية على رجال أعمال قطريين بلغت قيمتها الإجمالية نحو 1.5 مليار دينار أردني، شملت قطاعات الطاقة المتجددة والنقل والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والرعاية الصحية والصناعات الدوائية.

صادرات الأردن إلى قطر بلغت خلال الثلث الأول من العام 2016 نحو 44 مليون دولار، مقابل 35 مليون خلال الفترة ذاتها من العام الماضي

أما نسبة الصادرات الأردنية إلى قطر، فإنها تصل إلى نحو 25 % في الإنتاج الزراعي، بينما تصل الصادرات في مجال الإنتاج الحيواني إلى نحو 30 – 35 %.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أنه كانت تدخل نحو 35 – 40 شاحنة يومياً الأراضي السعودية، التي تنقل المنتجات الأردنية للسوق القطري.

وأظهرت أرقام دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، أن صادرات الأردن إلى قطر بلغت خلال الثلث الأول من العام 2016 نحو 44 مليون دولار، مقابل 35 مليون خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

هذه أول آثار الأزمة.. خسائر كبيرة

منذ أول أمس، رفضت السلطات السعودية السماح لـ33 شاحنة أردنية التوجه عبر أراضيها إلى قطر، جراء غلق الحدود والمنافذ الحدودية مع الدوحة.

قدر مصدر حكومي خسارة قطاع النقل البري الأردني بنحو 10 مليون دينار، توزعت تلك الخسائر بين تكاليف النقل وخسارة القيمة السوقية للبضاعة وتلف بعضها الآخر

ووفق مصدر مطلع، فإن أكثر من 200 شاحنة أردنية حصلت على تأشيرات دخول لدولة قطر، إلا أنها فقدت قيمة تلك التأشيرات واعتبرت لاغية بعد قرار السعودية غلق المنفذ البري الوحيد لدولة قطر معها، وهو الأمر ذاته الذي تسبب بتكدس عشرات الشاحنات الأردنية داخل الأراضي السعودية عند المنفذ الحدودي، وهو ما تسبب بخسائر فادحة للأردنيين جراء المقاطعة.

وقدر مصدر حكومي خسارة قطاع النقل البري الأردني بنحو 10 مليون دينار، توزعت تلك الخسائر بين تكاليف النقل وخسارة القيمة السوقية للبضاعة وتلف بعضها الآخر، وخسارة قيمة الديزل الذي تحتاجه الشاحنات لاستهلاكه للذهاب العودة من وإلى قطر.

تضامن شعبي واسع مع قطر

خلافًا للساسة وللقرار الحكومي، تداول مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن، هاشتاغ #أردني_متضامن_مع_قطر، في نوع من التضامن الشعبي مع قطر. حيّث تصدّر هذا الهاشتاغ المرتبة الأولى في الأردن على مدار 3 أيام وحتى اللحظة. في ظاهرة أردنية غير مسبوقة للتعاطف مع بلد عربي شقيق.

وقد غرد مجد علاء الدين عواد قائلا “لي في قطر ما يقارب ٥ سنوات، لم أرَ منهم كل خير حسن الضيافة والتعامل”، بينما غرد محمد المكاحلة بقوله “وعي الأردني يجعله دائما أقرب للحق، قاطعوا الكيان الصهيوني فمقاطعته أولى إن كنتم صادقين”.

المصدر: أردن الإخبارية