إن الحديث عن الموقف التركي من الأزمة الخليجية التي بدأت بقطع 3 دول خليجية لعلاقاتها مع الدوحة قبل أكثر من أسبوع وصولاً إلى منع مرور الغذاء برًا إليها، وما تلا ذلك من أسف تركي ودعوة لحل الأزمة بالحوار، وتزامن ذلك مع مصادقة البرلمان التركي على الاتفاقية العسكرية مع قطر، ثم التصريحات الرافضة لعزل قطر وحصارها، يعد أمرًا متعلقا بالسياسة الخارجية التركية.

ولكن المعارضة التركية التي تتحضر لانتخابات قادمة في 2019 على الأغلب أرادت الاستفادة من الحدث كما تفعل في العادة لتحويل الأمر لمادة انتقاد للحكومة بعد ما يمكن أن نسميه بالفشل في تسويق دعاية عدم مشروعية الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي تم في 16 من أبريل 2017.

وفي هذا السياق فقد استغل زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، كمال كليجدار أوغلو ذلك لانتقاد السياسة التركية المساندة لقطر وجماعة الإخوان المسلمين، حيث أكد أنه يجب على دولة قطر قطع دعمها لجماعة الإخوان المسلمين، ودعا كليجدار أوغلو تركيا ألا تكون طرفًا بين السعودية وقطر، بل عليها أن تحافظ على الحياد، مضيفًا: "سنحافظ على سياستنا الأساسية في علاقتنا مع العالم العربي، ولن نكون طرفًا في الخلافات"، وتعد هذه العبارة أحد محددات السياسة الخارجية التي أوصى بها مصطفى كمال أتاتورك في التعامل مع العرب.

كما استغل ذلك لنقد رفع زعيم وأنصار حزب العدالة والتنمية إشارة رابعة مضيفًا: "السعودية ومصر والإمارات ينظرون إلى جماعة الإخوان على أنها إرهابية، وأنتم حزب العدالة والتنمية تجعلونها رمزًا للحزب، وقد جعلتم إشارة التنظيم الإرهابي (الأصابع الأربع) رمزًا، وهذا شيء لا يمكن أن يتقبله العقل".

ولما سبق تم استهجان عدم حديث كليجدار أوغلو أو انتقاده لألمانيا وهولندا وغيرها من الدول الأوروبية التي توفر الدعم لجماعة غولن ولحزب العمال الكردستاني، بينما انتقد جماعة الإخوان المسلمين وأظهر شيئًا قريبًا من التبني للدعاية القائلة إن جماعة الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًا.

يمكننا حاليًا اختصار المعارضة التركية في حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطية، حيث إن حزب الحركة القومية قد أعلن موقفًا مساندًا لحزب العدالة والتنمية ورافضًا لما أسماه عزلة قطر

أما موقف حزب الشعوب الديمقراطية ذي الأغلبية الكردية، فرغم مجيئه متأخرًا بعد أكثر من أسبوع من الأزمة، فقد جاء منتقدًا لسياسة الحكومة في التعامل مع الأزمة أيضًا كما هو متوقع، حيث انتقدت الرئيسة المشاركة الجديدة لحزب الشعوب الديمقراطي سيربيل كمالباي، موقف الحكومة التركية الداعم لدولة قطر في ظل الأزمة الخليجية وتساءلت كمالباي عن سبب إرسال تركيا جنودها إلى قطر، مشيرة إلى أن هذه الحملة لن تعود بالفائدة على تركيا، إنما ستساهم في تأجيج الأزمة.

ويمكننا حاليًا اختصار المعارضة التركية في حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطية، حيث إن حزب الحركة القومية قد أعلن موقفًا مساندًا لحزب العدالة والتنمية ورافضًا لما أسماه عزلة قطر.

ولعل هذه التصريحات كانت مفيدة أكثر في تأكيد صحة اتخاذ قرار حزب العدالة والتنمية دعم قطر ومساندتها لا سيما أنها جاءت بعد دعوات متواترة من كليجدار أوغلو محرضة على تكرار ما حدث في ميدان تقسيم من مظاهرات ضد الحكومة التركية في عام 2012.

حيث إن البعض لا يستصعب استحضار اسم كليجدار أوغلو في تركيا عندما يستعرض بعض الأسماء في شريط أحداث المنطقة مثل الجنرال خليفة حفتر أو أحمد شفيق وغيرهم خاصة في الأوقات التي يحرص فيها وزراء وسفراء الدول الكبرى على زيارة كليجدار أوغلو والجلوس معه كما حدث الأسبوع الماضي عندما استقبل كليجدار أوغلو وزير الخارجية الألماني في مقر حزب الشعب الجمهوري.

وعلى الرغم من أن الموقف التركي الذي تصاعد تدريجيًا في دعم قطر ومساندتها لم يقطع حبال الود مع السعودية بل على العكس أبدى حرصًا كبيرًا على توازن الخطاب تجاهها وإن لم يكن كذلك مع دولة الإمارات، ولكن بشكل عام كان الموقف التركي حريصًا على حل الأزمة دبلوماسيًا إلا أن المعارضة التركية انتقدت ذلك واتهمت الدولة بالانحياز لقطر مع أن المعارضة هي التي انحازت عندما انساقت مع الاتهامات الموجهة لقطر بدعم الإرهاب.

بل يمكن القول إن بعض تصريحات المعارضين كان فيها تلميح بأن الدور قادم على تركيا بسبب سياستها الخارجية التي تتشابه مع السياسة الخارجية لقطر.

يعد المزاج الشعبي التركي رافضًا للظلم والمقاطعة والحصار وقد ظهرت عدة فعاليات تدل على ذلك وظهر ذلك بشكل جلي في الصحافة التركية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي خاصة أن دولة كقطر سجلت مواقف كبيرة مع تركيا في مراحل تاريخية مهمة

وكما يقول الباحث التركي نبي ميش إنه لا يجدر تحليل مقاربة أحزاب المعارضة التركية للسياسة الخارجية بل فقط لا بد من النظر إلى مواقفها خلال ملفين الأول جماعة غولن والثاني حزب العمال الكردستاني، حيث إن هذه الأحزاب لا تأتي على ذكر هذه المواضيع ولا تتناولها ولم تظهر حرصًا على طرح موقف منها في أثناء الأزمة مع ألمانيا وهولندا بنفس الحساسية التي أظهرتها في أثناء الأزمة مع قطر.

من جهة أخرى يعد المزاج الشعبي التركي رافضًا للظلم والمقاطعة والحصار وقد ظهرت عدة فعاليات تدل على ذلك وظهر ذلك بشكل جلي في الصحافة التركية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي خاصة أن دولة كقطر سجلت مواقف كبيرة مع تركيا في مراحل تاريخية مهمة مثل الموقف ليلة انقلاب 15 من تموز، حيث أعلنت دعمها للحكومة والشعب التركي حتى قبل إحباط المحاولة الانقلابية وقبل اتضاح الجهة التي تقف خلفها وما تبع ذلك من الاستثمارات التي ضختها في البلد بعد ذلك مما ساهم في محافظة الاقتصاد على نموه في فترة شديدة الحساسية وعدم تعرضه لانتكاسات كبيرة.

ولهذا فإن انتقاد المعارضة هذه المرة يعد أمرًا خاطئًا ومراكمة للفشل في مقاربة السياسة الخارجية بشكل اختزالي وغير صائب، ولهذا لن تجني على الأرجح مكاسب من وراء هذه المقاربة بل على العكس الذي سيجني المكاسب والشعبية هو الذي يحافظ على التوازن بين المصالح والمواقف الأخلاقية وهو ما ينجح فيه حزب العدالة بقيادة الرئيس أردوغان حتى الآن والأزمة الخليجية مع قطر مثال واضح على ذلك.