بعضهم تعلم العربية وبدأ في تأليف كتبه بها، والبعض الآخر أسس علم النحو في اللغة العربية بعدما برع فيها وأتقنها كأهلها، كان بعضهم أعجمي ولكن عربي في لغته، وانتُسب البعض الآخر للعرب وهو أعجمي في لغته ومرباه ونسبه، هؤلاء من أسسوا علوم الحضارة الإسلامية، نعم، ليس العرب من يعود لهم الفضل في كل العلوم.

يقول ابن خلدون: "من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حملة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي".

هذه المقولة لا تعني الحرب الثقافية على العرب ولا تزوير تاريخهم، بل إحقاقًا للحق وعدم نسبة هؤلاء العلماء زورًا للعرب وهم في الحقيقة ليسوا كذلك، بل كانوا مجموعة من بلاد فارس والروم وشمال إفريقيا من الأمازيغ، أضافوا علمًا، لا يزال مقروءًا حتى يومنا هذا،  إلى الحضارة الإسلامية آنذاك.

 ابن سينا أول من وصف أسباب اليرقان والتهاب السحايا وأعراض حصى المثانة وصفًا صحيحًا، كما لم يغفل أثر المعالجة النفسية في شفاء المريض

ابن سينا
 

يعد أشهر العلماء الذين اختلط نسبهم في التاريخ بين العرب والفرس، فكثير من العرب يعتبرونه عالمًا عربيًا، وهو منسوب للعرب خطأ، فهو فيلسوف وطبيب فارسي عاش بين 980 ميلاديًا و1037 ميلاديًا، ألّف 200 كتاب في مواضيع مختلفة، العديد منها يركّز على الفلسفة والطب، ويعد ابن سينا من أول من كتب عن الطب في العالم، وأشهر أعماله كتاب القانون في الطب الذي ظل لـ7 قرون متوالية المرجع الرئيسي في علم الطب.

أول من وصف أسباب اليرقان والتهاب السحايا وأعراض حصى المثانة وصفًا صحيحًا، كما لم يغفل أثر المعالجة النفسية في شفاء المريض، كما نجح ابن سينا في وضع أسس علم طبقات الأرض، مثل تكوين الحجارة والمعادن والجبال، إذ يرى أنها تكونت من طين لزج،  إضافة إلى أنه تحدث عن الزلازل وفسر أسباب حدوثها، ووضح كيفية تكون السحب، ووجد أن البخار أصل السحب والجليد والثلوج والبرد والصقيع وقوس قزح.

لا شك أن هناك حرب معلوماتية بشأن أصول العلماء بين العرب وإيران، إلا أن ابن سينا وإن كان أصله من أوزباكستان الحالية والتي اختلف المؤرخون في وصفها بأنها ضمن بلاد فارس أم لا، فإن والده فارسي الأصل من أفغانستان ومن هنا يرجع نسبه، كما دُفن ابن سينا في "همدان" الواقعة في إيران.

عباس بن فرناس

عالم أمازيغي ولد عام 810 ميلاديًا في رُندة بإسبانيا، اشتهر بصناعة الآلات الهندسية مثل المنقالة (آلة لحساب الزمن) (نموذج بالمسجد الكبير بمدينة طنجة) واشتهر بصناعة الآلات العلمية الدقيقة، واخترع آلة صنعها بنفسه لأول مرة تشبه الإسطرلاب في رصدها للشمس والقمر والنجوم والكواكب وأفلاكها ومداراتها ترصد حركاتها ومطالعها ومنازلها والتي عرفت بذات الحلق.

يعد ابن فرناس أول من اخترق الجو من البشر وأول من فكر في الطيران، واعتبره المنصفون أول رائد للفضاء وأول مخترع للطيران، حيث قام بتجارب كثيرة درس خلالها ثقل الأجسام ومقاومة الهواء لها، وتأثير ضغط الهواء فيها إذا ما حلقت في الفضاء.

إضافة إلى كونه شاعرًا وموسيقيًا وعالمًا في الرياضيات والفلك والكيمياء ومكتشفًا ومهندسًا مصممًا ومخترعًا، حيث إن خبرته في مجال الهندسة ساعدته في تصميم العديد من اختراعاته من بينها الطائرات الشراعية، وتطويره لطريقة رصد الأفلاك والأجرام السماوية.

يعد ابن فرناس أول من اخترق الجو من البشر وأول من فكر في الطيران واعتبره المنصفون أول رائد للفضاء

توفي ابن فرناس بعد 12 عامًا من محاولة الطيران، ودُفن في قرطبة، الأندلس عام 887 ميلاديًا.

ابن بطوطة

أمير الرحالين المسلمين،  هو محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي ينتسب إلى قبيلة لواتة الأمازيغية ولد بطنجة في المغرب سنة 1304 ميلادي، وهو من أكثر الشخصيات التاريخية التي ارتبط اسمها بالترحال والسفر والمغامرات، عمل ابن بطوطة مؤرخًا وقاضيًا وفقيهًا.

نظّم ابن بطوطة العديد من القصائد الشعرية في مدح ملوك وأمراء الأمصار التي زارها، وكانت هباتهم مصدرًا يساعده على مواصلة رحلاته

نشأ ابن بطوطة في كنف أسرة فيها علماء بأمور القضاء الإسلامي، وعاصر الدولة المرينية، وهو ذو أصول أمازيغية، تتلمذ في مدرسة سنية ذات مذهب مالكي، حيث كان يسود في شمال إفريقيا النمط التعليمي السنّي المالكي في ذلك الوقت.

بدأ الرحالة رحلاته وهو في الـ21 من عمره، فتوّجه لأداء مناسك الحج برًا واستمرت رحلته لمدة سنة و4 أشهر، وتغرّب بعدها عن بلاده لمدة 24 عامًا، طاف فيها أنحاء إفريقيا، حيث زار بلاد المغرب العربي ومصر والسودان وبلاد الشام وأرض الحجاز وتهامة والعراق وبلاد فارس (إيران) واليمن والبحرين وتركستان وعمان وبلاد ما وراء النهر والهند وبلاد التتار وأواسط إفريقيا.

نظم ابن بطوطة العديد من القصائد الشعرية في مدح ملوك وأمراء الأمصار التي زارها، وكانت هباتهم مصدرًا يساعده على مواصلة رحلاته وأسفاره، وبعد مضي الفترة الطويلة عاد إلى مسقط رأسه، وجمع تفاصيل رحلته في كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، والتي قطع فيها 121 ألف كيلومتر.

توفي الرحالة في مسقط رأسه طنجة، بعد رحلة استمرت 27 عامًا جاب بها أنحاء العالم، وكان ذلك في سنة 1377 ميلاديًا عن عمر يُناهز 73 عامًا.

الفارابي

ولد أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي في عام 874 ميلاديًا، في مدينة فارب التابعة لإقليم تركستان، ينسبه الأتراك أنه تركي الأصل، يعتبر من أشهر المسلمين الفلاسفة الذين يتقنون العلوم الحكمية، بالإضافة إلى قوته وتمكنه في مجال صناعة الطب.

تنقل في العديد من البلدان أهمها بغداد، ومن ثم انتقل إلى سوريا وقام بالعديد من الجولات في هذه البلاد، وفي نهاية المطاف عاد إلى مدينة دمشق واستقر فيها فترة طويلة حتى مات ودُفن فيها، ومن هنا يعود الخلط كون أصله عربيًا.

درس الفارابي في موطنه الأصلي العديد من المواد، مثل العلوم والرياضيات والآداب والفلسفة واللغات، وخصوصًا اللغة التركية التي هي لغته الأصلية، بالإضافة إلى دراسته للغة العربية والفارسية واليونانية، وبعد ذلك رحل عن بلده في العام 310 هجريًا، وكان عمره في ذلك الوقت 50 عامًا، متوجهًا إلى الجمهورية العراقية.

تنقل في العديد من البلدان أهمها بغداد، ومن ثم انتقل إلى سوريا وقام بالعديد من الجولات في هذه البلاد، وفي نهاية المطاف عاد إلى مدينة دمشق، واستقر بها

عُرف عنه الزهد والتقشف طول حياته، فلم يتزوج ولم يكن لديه أموال تُذكر، حيث عاش حياته لتأليف الكتب، التي من بينها كتاب الجمع بين رأي الحكيمين وكتاب الزمان والمكان والخلاء.

ابن البيطار

هو عبد الله بن أحمد المالقي نسبة إلى مسقط رأسه مدينة مالقة في الأندلس، ولد فيها عام 1197ميلاديًا، هو إمام النباتيين والعشابين، أوحد زمانه وعلامة وقته في معرفة النبات وتحقيقه واختياره ومواضع زراعته، ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها، فصُنف من أشهر الصيادلة العرب.

توفي ابن البيطار في دمشق في الـ50 من عمره وهو يقوم بأبحاثه وتجاربه على النباتات، حيث تسرب إليه السم في أثناء اختباره لنبتة

تعلم الطب ودرس على يد أبي العباس النباتي الأندلسي، الذي كان يُعشّب (أي يجمع النباتات لدرسها وتصنيفها) في منطقة إشبيلية.

رحل ابن البيطار إلى بلاد الإغريق وأقصى بلاد الروم، كما اجتمع أيضًا في المغرب وغيره بكثير من الفضلاء في علم النبات، وعاين منابته باحثًا عن الأعشاب والعارفين بها، حتى كان الحجة في معرفة أنواع النبات وتحقيقه وصفاته وأسمائه وأماكنه.

توفي ابن البيطار في دمشق في الـ50 من عمره وهو يقوم بأبحاثه وتجاربه على النباتات، حيث تسرب إليه السم في أثناء اختباره لنبتة حاول صنع دواء منها.