في سابقة هي الأولى من نوعها منذ تطبيع العلاقات بينهما، تم توقيع عدد من الاتفاقيات لتصدير الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 15 مليار دولار خلال السنوات القادمة، ضمن إطار خطة متكاملة تهدف إلى تعزيز التعاون بين البلدين في عدد من المجالات في انتظار صفقات أخرى جاهزة للتوقيع خلال الفترة المقبلة.

الاتفاقية جاءت بعد ساعات قليلة من حكم صادر عن مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، بشأن إلزام الجانب المصري بدفع ما قيمته 1.03 مليار دولار كتعويض لشركة شرق المتوسط للغاز التي تدير خط الأنابيب الذي كان يوصل الغاز إلى "إسرائيل"، بسبب قرار صدر قبل سنوات بوقف تصدير الغاز المصري للكيان الصهيوني.

حالة من الجدل أثارها إعلان هذه الاتفاقية خاصة عقب ردود الفعل الصادرة عن تل أبيب التي تصف ما حدث بأنه "عيد لإسرائيل" حسبما جاء على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في الوقت الذي يسعى فيه الجانب المصري لتبرير ما حدث بشتى السبل في محاولة للتبرئة من اتهامات الشارع بالتطبيع ودفع العلاقات بين البلدين إلى مزيد من الدفء والحميمية.

 صفقة تاريخية

أمس الإثنين 19 من فبراير/شباط 2018، أعلنت مجموعة "ديليك" الإسرائيلية للطاقة، أنه تم التوصل إلى اتفاق بين شريكها الأمريكي "نوبل إنيرجي" لتزويد شركة "دولفينوس" المصرية بـ64 مليار متر مكعب من الغاز، سيتم استخراجها من حقلي "تامارا" و"ليفياثان" البحريَّين في البحر المتوسط اللذين اكتشفتهما تل أبيب، عامي 2009 و2010، بقيمة 15 مليار دولار.

حالة الجدل التي أثارتها الاتفاقية وردود فعل تل أبيب حيالها، وضعت السلطات المصرية في موقف حرج شعبيًا، خاصة بعد التصريحات الأخيرة التي لوحت بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي عقب اكتشاف بعض الحقول الجديدة

المقرر لتنفيذ هذه الصفقة وفق بعض الدراسات، استخدام خط الأنابيب الأردني -الإسرائيلي، الجاري بناؤه في إطار اتفاق لتزويد شركة الكهرباء الوطنية الأردنية بالغاز من حقل "لوثيان"، وبحسب ما جاء على لسان يوسي أبو، الرئيس التنفيذي لـ"ديليك"، فإن الهدف أن "تتحول مصر إلى مركز غاز حقيقي" متابعًا "هذه الصفقة هي الأولى بين صفقات أخرى محتملة في المستقبل".

جدير بالذكر أن الكيان الصهيوني بدأ استغلال حقل "تامارا" - الذي يبعد مسافة 130 كيلومترًا عن شاطئ حيفا - عام 2013، ويبلغ حجم احتياطه 238 مليار متر مكعب،  وهو أحد أكثر حقول الغاز الواعدة التي اكتُشفت في السنوات الأخيرة قبالة ساحل "إسرائيل"، كما أنه من المقرر أن يبدأ استغلال حقل "ليفياثان" عام 2019، عندما يبدأ احتياطي حقل "تامارا" بالانحسار.

كما أنها ليست المرة الأولى التي تبرم فيها "إسرائيل" صفقات توريد غاز لدول عربية، ففي سبتمبر/أيلول 2016 تم توقيع عقد قيمته 10 مليارات دولار لتوريد الغاز من حقل "ليفياثان" إلى الأردن.

"إسرائيل" اليوم في عيد

"أرحب بهذه الاتفاقية التاريخية التي تم إعلانها للتوِّ، التي تقضي بتصدير غاز طبيعي إسرائيلي إلى مصر، هذه الاتفاقية ستُدخل المليارات إلى خزينة الدولة، وستُصرف هذه الأموال لاحقًا على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية لمصلحة المواطنين الإسرائيليين"، بهذه الكلمات علق نتنياهو على الصفقة التي أسماها بـ"التاريخية"، واصفًا هذا اليوم بأنه "عيد على دولة إسرائيل".

نتنياهو، في شريط فيديو وزعه مكتبه، قال: "لم يؤمن الكثيرون بمخطط الغاز، وقد قمنا باعتماده؛ لأننا علمنا أنه سيعزز أمننا واقتصادنا وعلاقاتنا الإقليمية، لكن فوق كل شيء آخر، إنه يعزز المواطنين الإسرائيليين، هذا هو يوم عيد".

أبرز التساؤلات التي فرضت نفسها على لسان رجل الشارع عقب إعلان تلك الاتفاقية: أين إنتاج حقل "ظهر" الذي أعلن الجانب المصري عن اكتشافه في البحر المتوسط عام 2015؟

من جانبها قالت السفارة الإسرائيلية في مصر: "الاتفاقية التاريخية التي وقعت، الإثنين، سوف تدعم العلاقات الإستراتيجية بين مصر و"إسرائيل"، كما أنها تتبع الاتفاقات التي تم توقيعها مع الأردن والسلطة الفلسطينية لتصدير الغاز"، مضيفة في بيان لها "ستعمل هذه الاتفاقية على تقوية التنمية الاقتصادية وتدعيم الاستقرار كما سيكون لها تأثيرها على شعوب المنطقة، وبذلك تكون هذه الاتفاقية ثمرة من ثمار اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين، وكمثل هذا التعاون سيساهم في بناء مستقبل واعد للأجيال الصاعدة".

فيما قال وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز، في تصريحات له أمس، إن اتفاقيات تصدير الغاز الطبيعي الموقعة ستقوي العلاقات بين بلاده ومصر، آملاً أن تكون خطوة أولى نحو توقيع حزمة أخرى من الصفقات الجديدة.

ترحيب إسرائيلي بالصفقة مع القاهرة

القاهرة لا تنكر

حالة الجدل التي أثارتها الاتفاقية وردود فعل تل أبيب حيالها، وضعت السلطات المصرية في موقف حرج شعبيًا، خاصة بعد التصريحات الأخيرة التي لوحت بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي عقب اكتشاف بعض الحقول الجديدة، هذا بخلاف الفارق الكبير بين ما كان عليه الوضع في السابق حين رفض المصريون تصدير الغاز لدولة الاحتلال مقارنة بالوضع اليوم الذي باتت فيه مصر تستورد الغاز من الكيان الصهيوني وليس العكس.

وزير البترول المصري طارق الملا، علق على ما حدث بأنه "ليس لديه تفاصيل عن اتفاق القطاع الخاص باستيراد الغاز من "إسرائيل"، مضيفًا: "نحن في انتظار تقدمهم بالطلب للنظر في الموافقة عليه".

الملا في مداخلة هاتفية له لبرنامج "هنا العاصمة" على قناة "سي بي سي"، لم ينكر مسألة استيراد الغاز من الجانب الإسرائيلي قائلاً: "من الإستراتيجيات التي أعلنت مؤخرًا أن نجعل مصر مركزًا إقليميًا للطاقة، وهذا يعني أن يكون هناك تداول ونقل وتوزيع"، وتابع: "معندناش مانع نجيب الغاز من "إسرائيل"، ولكن يجب خضوعه لاشتراطات الدولة، وتسوية التحكيمات القائمة في قضايا التحكيم بين البلدين"، مشددًا "نحن نشجع شركات القطاع الخاص على العمل في هذا الموضوع".

نتنياهو: هذه الاتفاقية ستُدخل المليارات إلى خزينة الدولة، وستُصرف هذه الأموال لاحقًا على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية لمصلحة المواطنين الإسرائيليين

الوزير المصري سعى إلى تبرئة ساحة الحكومة من توقيع تلك الاتفاقيات ملقيًا الكرة في ملعب القطاع الخاص عبر شركة "دولفينوس" الخاصة، وهو ما يعيد إلى الأذهان سيناريو حسين سالم وشركته "شركة غاز شرق المتوسط" التي كانت تحت مرأى وسمع نظام مبارك حينها.

مصدر بوزارة البترول المصرية في تصريحات له لفت إلى أن هناك ضغوطًا مورست على القاهرة لقبول هذه الصفقة والسماح باستيراد الغاز من "إسرائيل"، معلقًا على القرار الصادر من مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، بشأن حصول شركة شرق المتوسط للغاز، وهي الشركة التي تدير خط الأنابيب الذي كان يوصل الغاز إلى "إسرائيل"، على 1.03 مليار دولار، إضافة إلى الفوائد كتعويض، بعد نزاع طويل دام 6 سنوات، منذ أن قطعت شركات الغاز المصرية إمداداتها من الغاز إلى "إسرائيل" عام 2012.

أحد أبرز الأسانيد التي ساقتها القاهرة للتقليل من شأن وقع الصفقة على الشارع، محاولة إصباغها بالمصلحة العامة للدولة، وذلك عن طريق الإيهام بأن الغاز المستورد من "إسرائيل" جاء بهدف تسييله في مصر ثم إعادته للتصدير مرة أخرى، وهو ما نفاه  الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي، في تصريحات له قال فيها إن مصر أصلاً لا تملك البنية التحتية لتسييل الغاز، ومصر ذات نفسها تصدر غازها وبترولها خامًا من دون تسييل.

حقل"ظهر".. أين؟

أبرز التساؤلات التي فرضت نفسها على لسان رجل الشارع عقب إعلان تلك الاتفاقية: أين إنتاج حقل "ظهر" الذي أعلن الجانب المصري اكتشافه في البحر المتوسط عام 2015 وتقدر احتياطياته بثلاثين تريليون قدم مكعبة من الغاز؟

في تصريحات سابقة لوزير الطاقة المصري قال إن بدء التشغيل التجريبي لحقل الغاز العملاق "ظُهر"، يرفع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى 5.5 مليارات قدم مكعبة يوميًا

في تصريحات سابقة لوزير الطاقة المصري قال إن بدء التشغيل التجريبي لحقل الغاز العملاق "ظُهر"، يرفع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى 5.5 مليارات قدم مكعبة يوميًا، مضيفًا: "بدأنا الإنتاج بطاقة 200 مليون قدم مكعبة يوميًا، على أن ترتفع في وقت لاحق إلى 350 مليون قدم مكعبة يوميًا".

إنتاج هذا الحقل من الغاز الطبيعي وغيره من الحقول الأخرى كان من المقرر أن يحقق الاكتفاء الذاتي الذي بدوره سيوفر قرابة 40 مليار جنيه (2.2 مليار دولار) في الموازنة المقبلة، بخلاف وقف استنزاف احتياطي النقد الأجنبي لمواجهة الاحتياجات الاستيرادية، لكن وبحسب البعض فإن تلك التصريحات يبدو أنها ستلاقي مصيرها في التبخر سريعًا بعد إعلان توقيع الصفقة الجديدة مع الجانب الإسرائيلي.

مؤسس شركة "دولفينوس" الموقعة الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي خالد أبو بكر، اعتبر أن الجمع بين حقول الغاز الإسرائيلية والمصرية "لحظة تاريخية لخلق استقرار وسلام في العلاقات الاقتصادية"، بحسب تصريحاته للقناة الثانية الإسرائيلية، كونها تسير في إطار العلاقات الدافئة التي تجمع بين البلدين منذ صعود عبد الفتاح السيسي على رأس السلطة في مصر.