"نحن اليوم أمام تحد كبير وهذه الانتخابات ليست كغيرها ففي هذه الانتخابات، لا نستطيع أن نقول لأنفسنا أن اللائحة ستنجح في كل الأحوال فلماذا علينا أن نقترع؟ في هذه الانتخابات صوت واحد قد يحدث فرقا".. جسدت تلك التصريحات الصادرة عن رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، حجم المأزق الذي يواجهه تيار المستقبل خلال الانتخابات اللبنانية المزمع إجراءها مايو/آيار القادم.

الأجواء السياسية، المحلية والإقليمية، التي تجرى فيها أول انتخابات تشريعية لبنانية منذ 9 سنوات تقريبًا دفعت الحريري إلى خوض المعركة بكل ما يمكن أن يتوافر له من أسلحة، خاصة في ظل التهديد الواضح الذي يواجهه من قبل التيارات السياسية الأخرى لاسيما بعد التعديلات الجذرية التي تضمنها قانون الانتخاب الجديد الذي يتوقع البعض أن يحدث تغييرا واضحا في ملامح خارطة تشكيل البرلمان الدورة القادمة، تختلف بصورة كبيرة عن تلك التي كانت خلال السنوات الماضية والذي لم يجد فيها تيار الحريري أي مشكلة في حصد غالبية المقاعد.

تيار المستقبل.. تحديات وعقبات

انتخابات استثنائية يخوضها تيار المستقبل هذه المرة تختلف عن المرات السابقة، فالأجواء المحلية والعلاقات مع الحلفاء من دول المنطقة، والتشكيل الجديد للخارطة السياسية الداخلية، كل هذا وضع حزمة من التحديات أمام التيار صاحب الأغلبية البرلمانية خلال العقود الماضية والتي ربما تجعل من انتخابات الشهر المقبل معركة تكسير عظام حقيقية.

تتصدر قائمة التحديات التي تواجه تيار الحريري في الانتخابات القادمة، التحدي المالي، ولعله الأبرز بين بقية التحديات، إذ أنها ربما تعد المرة الأولى التي يخوض فيها التيار الانتخابات وليست لديه قدرة مالية كبيرة يخصصها للمعركة، خاصة بعد توتر العلاقة بين رئيس التيار سعد الحريري والمملكة العربية السعودية، على خلفية احتجازه وإجباره على تقديم استقالته من رئاسة الحكومة.

بعد ثلاثة عشر عاماً على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تراجع الدعم السياسي والشعبي للتيار في ظل عدم وجود شعارات انتخابية مؤثرة

ورغم بوادر التحسن التي شابت العلاقات خلال الأيام الماضية إلا أن شركة "سعودي أوجيه" المملوكة للحريري والتي تعد مصدر التمويل الأول لتياره لا تزال تعاني من أزمات مالية طاحنة، ورغم التلويح بعودتها مرة أخرى من قبل السلطات السعودية إلا أنه وحتى كتابة هذه السطور ليس هناك جديد، وهو ما يضع التيار في مأزق مالي حقيقي قبيل خوض معركته القادمة.

ثم يأتي التحدي السياسي والشعبي محتلا المرتبة الثانية في قائمة التحديات، فبعد ثلاثة عشر عاماً على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تراجع الدعم السياسي والشعبي للتيار في ظل عدم وجود شعارات انتخابية مؤثرة، وبسبب السياسات والتسويات التي اعتمدها رئيس الحكومة مع مختلف الأطراف التي كان يتنافس معها (التيار الوطني الحر، حزب الله)، ونظراً للمتغيرات في المنطقة.

ورغم استعادة الحريري لبعض الدعم الشعبي عقب أزمته الأخيرة إثر إجباره على تقديم استقالته من الرياض، والتي لعبت دورا كبيرًا في تحريك المياه الراكدة في منسوب شعبية تيار المستقبل الساكنة، غير أن ذلك لم ينكر حقيقة ما يواجهه من تراجع واضح في الشعبية والدعم الداخلي.

كما يشكل قانون الانتخاب الجديد واعتماد النسبية والصوت التفضيلي أحد أبرز التحديات للتيار، لأنه لم يعد يستطيع إيصال لوائح مكتملة من خلال الحصول على نصف الأصوات في كل دائرة، لأن النسبية ستسمح لمنافسيه بالحصول على عدد من المقاعد، كذلك سيؤدي الصوت التفضيلي إلى تنافس داخل كل لائحة، ما سيؤدي إلى خسارة التيار عدداً كبيراً من المقاعد لمصلحة منافسيه في مختلف الدوائر، وسيضطره إلى التحالف مع شخصيات لها وزن شعبي فاعل كي تساعده في تجميع أكبر عدد من الأصوات.

علاوة على ما سبق، فإن الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان خاصة، والمنطقة بصفة عامة، أدت إلى فرط معظم التحالفات السابقة، ومنها تحالف «قوى 14 آذار»، وتراجعت العلاقة بين التيار والقوى الإسلامية، ما سيضع التيار في ظروف صعبة ويدخله في معارك قاسية مع العديد من القوى السياسية والشعبية.

تيار المستقبل لطالما ميّز نفسه كونه تياراً مدنياً، صاحب نظرية العبور إلى الدولة، تلك النظرية التي فتحت الباب أمامه لاختراق كافة التيارات السياسية والطائفية

تراجع الدعم المالي والشعبي أبرز تحديات تيار المستقبل

مغازلة رجال الدين

التحديات سالفة الذكر والموقف الحرج الذي وجد فيه تيار المستقبل نفسه قبيل الانتخابات، دفع زعيمه، الحريري، إلى طرق كافة الأبواب الممكنة، في محاولة للملمة أكبر قدر ممكن من الدعم يسمح له بالحصول على الأغلبية في المعركة الانتخابية، حتى لو كان ذلك عبر مغازلة العمائم.

قبل أيام أسند الحريري إلى أحد مستشاريه ويدعى بسام تميم، مهمة دعوة رجال الدين في بيروت إلى مأدبة غداء في بيت الوسط، في محاولة للحصول على دعمهم وحثهم على تشجيع اللبنانيين على المشاركة في العملية الانتخابية والتوجه إلى صناديق الاقتراع.

الحضور تصوروا أن هدف اللقاء سوف ينصب حول التشاور في هموم وطنية ودينية عامة وبينها «مشكلة التحويلات المالية التي تصرفها دولة الإمارات لدار الفتوى من مخصصات المفتين والخطباء والمشايخ وتأميناتهم الصحية»

تخصيص أحد كبار مستشاريه للقيام بهذه المهمة ابتداء رسالة واضحة تعكس أهمية هذا اللقاء بالنسبة للحريري، وتعطي إشارة لرموز التيار الديني المدعوين إلى مكانتهم لدى رئيس الحكومة، وهو ما سيكون له نتائج إيجابية خلال عملية التصويت بلا شك.

الملفت للنظر أنه ورغم اهتمام الحريري نفسه بهذا اللقاء والإعداد له على أعلى مستوى إلا أن عددا من الأسماء البراقة في مجال الدعوة في لبنان تغيبت عنه، على رأسها أمين دار الفتوى الشيخ أمين الكردي، شيخ القرّاء محمود عكاوي، القاضي والمستشار في المحكمة الشرعية الشيخ عبد الرحمن الحلو، المدير الإداري في المحكمة الشرعية الشيخ القاضي محمد النقري، والمدير العام الأسبق للأوقاف الشيخ هشام خليفة (اعتذر مسبقاً).

لفتة أخرى ربما تعطي إشارات ذات دلالة خلال اللقاء، تتلخص في أن المدعوين فوجئوا عند دخولهم بدعوتهم لتسجيل أسمائهم، حيث بوضع إشارة «صح» إلى جانب الاسم الذي حضر، وكأن المقصود التدقيق بمن حضر وبمن غاب، حسبما نقلت "الأخبار" اللبنانية عن أحد المدعوين الذين حضروا.

الحضور تصوروا أن هدف اللقاء سوف ينصب حول التشاور في هموم وطنية ودينية عامة وبينها «مشكلة التحويلات المالية التي تصرفها دولة الإمارات لدار الفتوى من مخصصات المفتين والخطباء والمشايخ وتأميناتهم الصحية»، غيرَ أن الحريري أخذ المشايخ المدعوين إلى مكان آخر، وبدأ الحديث عن الهدف الحقيقي من وراء تلك المأدبة.  

خلال مأدبة الغداء التي أقيمت على شرف كبار العمائم اللبنانية، يتقدمهم مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، وفي حضور الرئيس تمام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق ومرشحي لائحة «المستقبل» في بيروت الثانية، دعاهم الحريري إلى «التضامن لحماية هوية بيروت وقرارها السياسي والوطني من خلال دعوة أهلها، لرفع نسبة الاقتراع إلى الحد الأقصى وقطع الطريق أمام كل محاولة لوضع اليد على العاصمة وممثليها».

اشتعال الصراع بين التيارات السياسية على الفوز بالحصة الأكبر من المقاعد

أزمة ثقة

تباينت وجهات النظر حيال تفسير دعوة الحريري لكبار رجال الدين، فالبعض استبعد أن يكون الهدف هو كسب دعمهم وحثهم لأنصارهم على التصويت لصالح التيار خلال الانتخابات، مرجحًا أن يكون الدافع الحقيقي هو الخروج بصورة مشرفة تعكس تجربة لبنان الديمقراطية بعد 9 سنوات من التجمد، خاصة وأن الحريري لم يطلب مباشرة دعم المشايخ لمرشحي تياره بصورة مباشرة.

أما الفريق الآخر فكان له رأي مختلف، لافتًا إلى أن مأدبة الغداء التي أقامها الحريري لرجال الدين، وتخصيصه لأحد مستشاريه للقيام بهذه المهمة، والعناية الفائقة التي أولاها لهذا اللقاء، كل هذا يعكس أن هناك دافعا قويا وراء ذلك كله، يتمثل بشكل واضح في مغازلتهم للحصول على دعمهم في الانتخابات خاصة بعد استشعاره بحجم التحديات القوية التي تواجهه.

تبقى الأجواء المصاحبة للانتخابات التشريعية اللبنانية وما طرأ على الخارطة السياسية والأمنية، المحلية والإقليمية، كفيلة بأن تحول هذا العرس الديمقراطي إلى ساحة لتكسير العظام بين التيارات السياسية والدينية

أنصار هذا الرأي يذهبون إلى أن تيار المستقبل لطالما ميّز نفسه كونه تياراً مدنياً، وضع قواعد فصل بين البعدين الدّيني والسياسي، وهو صاحب نظرية العبور إلى الدولة، تلك النظرية التي فتحت الباب أمامه لاختراق كافة التيارات السياسية والطائفية، حتى وإن كان المكون السني هو رافعته الأولى.. ليبقى السؤال: لماذا الآن يتوجه إلى العمائم بهذه الكيفية؟

البعض هنا ربما يقلل مما وراء تلك الدعوة وعدم تأويلها بما يتجاوز واقعها، فصحيح أن اللجوء إلى المؤسّسات الدينية من قبل أحزاب سياسية في لبنان يعُد أمراً بديهياً، ولا مشكلة فيه، لكن أن يصار إلى تحويل دار الفتوى والمشايخ إلى شريك سياسي مضارب، فهذا ما يخشاه البعض ويتنافى بشكل كبير مع أيديولوجيات تيار المستقبل الذي صدر نفسه ابتداء كونه تيارا مدنيًا، عكس التيارات الأخرى التي ربما تنتهج نفس السياسة على رأسها حزب الله وحركة أمل، إلا أن الفارق هنا أن الأخيرين يرسمان خطوطاً حمراء تتعلق بالمحظور المذهبي، وهو ما لم يتحمله تيار الحريري ويستبعد أن يعزف عليه مستقبلا.

وتبقى الأجواء المصاحبة للانتخابات التشريعية اللبنانية وما طرأ على الخارطة السياسية والأمنية، المحلية والإقليمية، كفيلة بأن تحول هذا العرس الديمقراطي إلى ساحة لتكسير العظام بين التيارات السياسية والدينية، وهو ما يدفع الجميع بلا استثناء إلى توظيف كافة أوراق الضغط التي لديه للحصول على أكبر حصة من المقاعد، لكن يبقى النجاح والفشل رهينة كيفية توظيف تلك الأوراق واستخدامها بالشكل اللائق.