رفض الأتراك بصوت مرتفع وبلهجة انتقادية شديدة ما يجري في الأراضي الفلسطينية من ظلم سواء فيما يتعلق بنقل الولايات المتحدة لسفارتها إلى القدس أم قتل الفلسطينيين المشاركين في المسيرات المدنية من قوات الاحتلال بدم بارد، وهما أمران مرتبطان لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض؛ فالفلسطينيون الذين يشاركون في مسيرات العودة الكبرى منذ عدة أسابيع أعلنوا غضبهم إزاء الإعلان الرسمي عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وقد رأينا موقفًا متكررًا من الأتراك في رفض الظلم ومساندة المظلومين سواء على المستوى الرسمي أم الشعبي، وحتى من الأحزاب المتنافسة؛ فرأينا رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو يضع وشاح الكوفية الفلسطينية في أثناء كلمة له في البرلمان، كما أكدت كل الأحزاب تقريبًا موقفها المساند لفلسطين وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية ومسؤوليه كافة من وزراء وقيادات في الحكم وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان.

وعلى الصعيد الدبلوماسي تجري تركيا اتصالاتها مع الدول الفاعلة والمؤثرة، وقد كان الرئيس أردوغان في زيارة خارجية في بريطانيا وتناول الأمر مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ويحاول الأتراك أن يكون هناك جهد أوروبي أكثر زخمًا خاصة فيما يتعلق بتجاوز "إسرائيل" لحقوق الإنسان كافة.

أما فيما يتعلق بالموقف الإسلامي الموحد، دعت تركيا لعقد اجتماع استثنائي لمنظمة التعاون الإسلامي يوم الجمعة، بخصوص الأحداث الأخيرة في فلسطين، كما قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إن بلاده استدعت سفيريها في واشنطن وتل أبيب للتشاور، وقد توج ذلك بمغادرة السفير الإسرائيلي لأنقرة بطريقة مذلة، كما ذكرت بعض التقارير أن تركيا ستدعو الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى عقد جلسة طارئة لمناقشة الأوضاع.

المؤسف أن الموقف التركي متقدم على الموقف العربي حتى على مستوى الخطاب والمطالبة بوقف الجرائم ووقف الاعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني

وفيما يتعلق بإدارة العلاقة مع الطرف الفلسطيني، فقد أجرت وزارة الخارجية التركية اتصالات مع نظيرتها الفلسطينية وأعلنت تركيا تقديم إغاثة طبية عاجلة للجرحى في غزة، كما زار عدد من الأحزاب التركية مقر السفارة الفلسطينية في أنقرة.

أما شعبيًا فقد انطلقت مسيرات حاشدة في كل من أنقرة وإسطنبول وقونية وعدد من المدن التركية الأخرى، كما صلى الأتراك في كل مساجدهم في اليوم التالي صلاة الغائب على الشهداء الذين ارتقوا في غزة.

لعل المؤسف أن الموقف التركي متقدم على الموقف العربي حتى على مستوى الخطاب والمطالبة بوقف الجرائم ووقف الاعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني، وقد رأينا أن عددًا من الرؤساء والزعماء لم يحضروا قمة منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول عندما أعلن ترامب القرار،  وحاليًّا لا يوجد حتى صوت استنكاري أو شاجب من الدول العربية وحتى لو كان هناك مواقف من الاجتماع فهناك قناعة على الأغلب أن الوضع سيبقى كما هو عليه، ولعل بعض الدول العربية تنظر إلى الموقف التركي بمستواه الحاليّ كموقف فاضح أو كاشف لحقيقة حالهم بدلاً من أن تستقوي به وتدعمه.

من الملاحظ أيضًا هذه المرة أن النبرة التركية في توجيه الانتقاد إلى الولايات المتحدة أكثر ارتفاعًا من المرات الماضية، حيث اعتبرت الحكومة التركية أن الإدارة الأمريكية شريكة في تحمل الجريمة والمجزرة الإسرائيلية بحق المدنيين في غزة، أما على صعيد العلاقة مع الاحتلال فإن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تكن يومًا - خاصة منذ أحداث مافي مرمرة - في حالة من الثقة بل دائمًا كانت مهزوزة وتزداد تدهورًا عندما تريق "إسرائيل" الدم الفلسطيني.

ينتظر الفلسطينيون من تركيا دعمًا أكبر، حيث يعتقدون أن النفس الاستقلالي والإرادة التركية التي يحملها الشعب التركي وقيادته الحاليّة لا بد أن يتطور في صورة دعم سياسي وإنساني

وعلى مستوى النظام الدولي فإن المجتمع الدولي الصامت أو المراقب أو المتواطئ يصبح أكثر فأكثر موضع انتقاد وذلك لغياب العدالة وعدم القدرة على إيقاف المجرمين والظالمين بحجج مختلفة ولهذا فإن الخطاب الذي تستخدمه تركيا من قبيل العالم أكبر من خمسة وغيره سوف يكون أكثر تأثيرًا إن وجد له مؤيدون.

ينتظر الفلسطينيون من تركيا دعمًا أكبر، حيث يعتقدون أن النفس الاستقلالي والإرادة التركية التي يحملها الشعب التركي وقيادته الحاليّة لا بد أن يتطور في صورة دعم سياسي وإنساني وفي مجالات الدعم كافة التي يمكن أن تخدم القضية الفلسطينية.

وبالفعل فإن المسار الذي تسير فيه الدولة التركية يعد بارقة أمل في المستقبل القريب ولكنه مع هذا محاط بالعقبات وصعوبة الخيارات؛ ولهذا تحاول تركيا التحرك مع الأطراف كافة، وحاليًّا يبدو تحرك تركيا مع أوروبا من أجل تنسيق موقف مشترك أكثر احتمالاً بالنجاح من التحرك مع الدول العربية وإن كانت نتيجة هذه التحركات في الأطر الدبلوماسية سيبقى ضعيفًا في ظل الاستقواء الإسرائيلي بـ"القبضاي" الأمريكي.