منذ سنوات طوال، بعضها يعود إلى عهد الفراعنة والبعض الآخر يعود إلى الاحتلال الفرنسي والإنجليزي وما بعدهما، نهاية بثورة 25 يناير وتداعياتها، وتاريخ مصر يُسرق، ينتزع منها بفعل الجشع والإهمال والجهل والتآمر والموالسة، فرغم معرفة حبات الأرض نفسها قبل المسؤولين والعوام أن الآثار المصرية طوال تاريخها كانت محل التقاء لجنون عالمي عابر للحدود والثقافات، والرغبات المستعرة التي تتزايد يومًا بعد الآخر في اقتناء مفردات الحضارة المصرية، فإن عمليات السرقة واستنزاف "براند" الكبرياء الوطني لا تتوقف، ولا يبدو أنها ستتوقف يومًا ما! 

قطعة أثرية مسروقة من معبد حتشبسوت

من يقف وراء عمليات تهريب آثار مصر؟ 

عدة عوامل ستقودك دون شك إلى الأسباب الرئيسية وراء تفشي تجارة الآثار والتهريب، على رأسها التساهل في تطبيق القانون وعدم تفعيل العقوبات التي تتكفل بمعاقبة كل من تسول له نفسه التفريط في تاريخ البلاد بهذه السهولة، بما قد يجعلك في غاية الاندهاش وأنت تبحث عن أطراف اللعبة الحقيقيين الذين يعلمون جيدًا الفاعلين في خرائط الصراع بمعظم دول العالم، لاقتناء ما يمكن أن تطاله الأيدي، سواء صغر أم كبر حجم الأثر، وتنفق في سبيل ذلك ملايين لا حصر لها من الدولارات.

تملك مصر ملايين القطع الأثرية من مختلف العصور وليس الفرعوني فقط كما هو شائع، فهناك البطلمي واليوناني والإسلامي، ولا تتمركز الآثار في محافظة معينة، بل إن عظمة التاريخ المصري وتفرده تكمن في انتشار جينات الحضارة في جميع محافظات ومدن البلاد، ويثبت ذلك أعمال الكشف المستمرة عن مقابر وآثار جديدة بمناطق مختلفة في شتى أنحاء مصر. 

ظهر من بين ثنايا رد خالد العناني وزير الآثار الحاليّ المعنى الحقيقي للكارثة، بعدما أوضح الرجل في تصريحات لتهدئة الرأي العام، أن الوزارة كانت تسمح للأشخاص العاديين بحيازة القطع الأثرية

وتسعى السلطات الحاليّة إلى تغليظ العقوبات على كل من يتورط في سرقة الآثار، وتقدمت الحكومة للبرلمان بالفعل، بمشروع لتعديل بعض أحكام القانون 117 لسنة 1982 بشأن حماية الآثار، وجرت الموافقة عليه تشريعيًا، بما أعطى القانون القوة اللازمة لتوقيع عقوبات بالسجن المؤبد والغرامات المالية الضخمة، ليس فقط لكل من ثبتت عليه جريمة السرقة، بل لمن يُضبط وهو يهدم أو يتلف بشكل عمدي أثرًا منقولاً أو ثابتًا، أو يجري أي محاولة لشويهه وتغيير معالمه، أو يشترك في أي أعمال للحفر بقصد الحصول على الآثار، وجميعها كانت ثغرات في القانون القديم، وترميمها إنجاز في حد ذاته، إلا أن اللوبيات التي تعمل في المجال توحشت لدرجة مخيفة، بما يقوق قدرة أي دولة في القضاء عليه بشكل سريع، ودون جهد خارق.  

الملامح الكاملة لسطوة ونفوذ هذه اللوبيات، كانت قد ظهرت قبل عام من الآن، بعدما فجر بيان منسوب للمركز الإعلامي بوزارة الآثار المصرية، مفاجأة كبرى بإعلانه اختفاء 33 ألف قطعة أثرية، خلال عملية جرد قامت بها الوزارة بشكل ذاتي، لبحث حالة المخازن وما طرأ عليها خلال الـ50 عامًا الماضية، وشكل عدد الآثار المختفية صدمة كبرى، خصوصًا أن البعض تعامل مع الرقم وكأن الآثار كانت تخرج في "علب البيبسي" مع عمال البوفيه، ولم تر هذا العدد الضخم أجهزة الوزارة.

مع تتبع التصريحات المكثفة والشد والجذب ومحاولات التملص من المسؤولية، ظهر من بين ثنايا رد خالد العناني وزير الآثار الحاليّ المعنى الحقيقي للكارثة، بعدما أوضح الرجل في تصريحات لتهدئة الرأي العام، أن الوزارة كانت تسمح للأشخاص العاديين بحيازة القطع الأثرية، وبرر الوزير ما كان يحدث قديمًا، بالضمانات التي كانت توقع على طالب القطع الأثرية، خصوصًا أنه لم يكن مسموحًا التصرف فيها بأي شكل من الأشكال، سواء الاتجار بها أم إهدائها.

قطع أثرية تمت سرقتها بعد أحداث عزل الرئيس محمد مرسي

كان قانون الآثار الذي عدل في الثمانينيات، بعد زوبعة كبيرة بسبب إجازته لتجارة الآثار، تضمن أيضًا ثغرات تسمح بالفساد، بعدما أعطى الحق للشخص الحائز على أثر، في إبقاء القطع الأثرية لديه "تحت حماية الدولة" وبنسبة كبيرة، تتحول هذه الآثار لتصبح محور إفساد للمسؤول بالمتابعة، والحائز على الأثر في نفس الوقت؛ فعملية متابعة الآثار لا تتم إلا مرتان في العام الواحد، وقد يتغير المسؤول ويأتي آخر، وبالتالي يمكن التلاعب بالأثر من خلال علاقات المصالح بين هذا وذاك، وفي الغالب يتم الاتجار في الأثر الأصلي، وعمل آخر تقليد لإثبات وجوده.    

أشهر 3 طرق في سرقة الآثار 

توجد 3 طرق معروفة جيدًا في عملية سرقة الآثار، أولها عصابات المافيا التي تحفر أسفل مخازن الآثار، وتصل إليها وتسرق ما تشاء، دون أن يشعر بها أحد، إلا في أقرب عملية جرد للمخزن، والطريقة الثانية الموالسة مع القائمين على حراسة الآثار أو المسؤوليين الكبار، بحيث يصلون إليها بنفس طريقة الحفر، حتى يكون هناك مبرر قانوني لهؤلاء فيما بعد، والطريقة الثالثة عن طريق مسؤولي المتابعة والرقابة وحتى أعلى المسؤولين مقامًا الذين طالتهم حمى الفساد، كما هو الحال في أي أنظمة شمولية بالوطن العربي. 

طوال العقود الماضية، كانت عملية سرقة الآثار وتهريبها تتم بإحكام شديد، وتبدأ سلسلة السطو باختفاء مفاجئ للآثار من المخازن، مرورًا بالتكتم الشديد على عملية السطو حتى تخرج من البلاد، وبعد ذلك تبدأ في الظهور بمزادات عالمية، وتصبح أمرًا واقعًا، ولا يدري بها أحد، إلا بعد صراخ الناشطيين في هذا الملف، خصوصًا في ظل السلبية واللامبالاة، تجاه عملية تتبع هذه الآثار المسروقة من قطاع الآثار المستردة في وزارة الآثارة المصرية، الذي لم يكن يشعر أحد بوجوده، ولم يبدأ نشاطًا حقيقيًا، إلا في الخمس سنوات الماضية، بعدما بدأ يمارس مهامه في مخاطبة المزادات العالمية، والتهديد من خلال الوسائل القانونية بفضح القائمين عليها عبر تتبع تاريخ الأثر، قبل وصوله وخط سيره، وإعلان توثيق السرقة للعالم، بجانب وضع خطط إستراتيجية لاسترداد الآثار التي خرجت بشكل غير قانوني من البلاد. 

آثار مستردة من إيطاليا إلى المتحف المصري

ولا تتوقف عمليات التهريب على السرقة الممنهجة فقط، بل هناك نوادر لا يمكن تصديقها، إلا أنها تعبر عن الواقع دون تجميل، منها تسبب الأمطار الغزيرة التي هاجمت مصر بكثافة قبل سنوات، وكان مستوى الضرر في الدلتا أعلى بكثير من المناطق الصحراوية، وبعد انتهاء موجات الأمطار، تم اكتشاف انهيار مجموعات كبيرة من الأكوام الأثرية، بما عرىّ الآثار الموجودة بداخلها، وبدت وكأنها بلا صاحب، وبالطبع كانت فرصة تاريخية للصوص الآثار الذين وجدوا أمامهم كنوزًا بلا ثمن.

آثار مصرية معروضة في متحف اللوفر في أبو ظبي

وقادت العصابات عمليات تفاوض مع الحراس لإقناعهم بفتح الطريق لهم لنهب الآثار باعتبارها كارثة بيئية في الأساس، ومن ثم لن يستطيع أحد مساءلتهم في ظل هذه الأجواء، وبالفعل نُهبت مئات القطع الأثرية، في ظل غياب الوزارة عن المشهد وإهمالها الغريب والمريب بالوقت نفسه، لإرسال فرق بحث بشكل سريع إلى المناطق الأثرية المكشوفة، لحمايتها والتأكد من سلامة الكنوز التي كانت تحويها هذه الأكوام المنهارة. 

بالصوت والصورة سرقة الآثار في محافظة الشرقية

جرائم لن يغفر التاريخ للمسؤولين عنها

من المضحكات المبكيات، تجاوز عدد السرقات ما يقرب من ثلث الآثار المصرية، وهذه الكنوز التي كانت من المفترض أن تزيد من عمليات الترويج للسياحة المصرية، باعتبارها من أهم موارد الدخل، تستخدمها الآن دول أجنبية تحت سمع وبصر أجهزة الدولة المصرية المعنية، في الترويج للسياحة لديها، بحسب تصريحات للأثري الشهير الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق. 

ويجمع أغلب الباحثين في هذا المجال، على الكثير من الخطايا، ويعتبرونها خلف هذا النهب المنظم للثروات المصرية التي لا حصر لها، إلا أن أكثر هذه الخطايا فجاجة، هو نظام الحراسة البدائي الذي تتبعه السلطات المعنية في العديد من المناطق الأثرية بمصر؛ فأثار الأقصر وخصوصًا البر الغربي على سبيل المثال، يحميها الأهالي الذين تم استقطابهم للعمل في الهيئة، وأغلب هؤلاء لا علاقة لهم بأساليب الحراسة الحديثة، ولم يهتم أحد بتأهيلهم من الأساس أو توفير نظم مراقبة عالمية تحمي تاريخ مصر وثرواتها، بما يجعل من هذا النظام المحنط مع مخلفات الزمن، وراء معظم السرقات في المنطقة التي كشفتها التحقيقات فيما بعد، وأكدت الشواهد كافة، أن السرقات الكبرى يقف خلفها هؤلاء الحراس. 

المثير في القضية كلها، الإصرار على استمرار هذا النظام البدائي في الحراسة، رغم مسؤوليته عن تعدد السرقات الضخمة، وأشهرها المومياوات الملكية بالقرنة في الدير البحري، وأدى عدم تحديثه سريعًا، إلى تشجيع لصوص آخرين على تكرار التجربة، ونجحوا فيها، لتختفي فجأة المومياوات الملكية بوادي الملوك من نفس المكان، وبنفس الطريقة التي اختفت بها مومياوات القرنة، بجانب سرقة محتويات أكثر من 50 مخزنًا بمنطقة سقارة، بسبب تهالك المخازن وعشوائيتها وتخاذل أنظمة الحراسة وتواطؤها. 

تستحوذ فرنسا على 4 مسلات تاريخية، أسمتها مسلات باريس، ولتعاطفها مع مصر، اكتفت بوضع اسم رمسيس الثاني على المسلات وكأنها تحترم التاريخ، وتضع حاليًّا واحدة من هذه المسلات وسط ساحة الونتابلو

يمكن تقسيم سرقة الآثار إلى ما بعد ثورة يناير نظرًا لضخامة السرقات بأعداد لا حصر لها وما قبلها، ويرهن التقسيم بهذا الشكل، ضخامة السرقات التي تم كشفها مؤخرًا، ونوعيًا لم يكن اختفاء 33 ألف قطعة أثرية، هو الحدث الأكبر في تاريخ البلاد، بل كانت هناك سرقات تقترب من حيث العدد والحجم والأهمية والمدى الزمني.

كانت معروضات متحف من المجوهرات الفرعونية، وبعض النقود التي يعود تاريخها إلى عهد الإغريق والرومان، والقطع الفخارية النادرة والتماثيل المجسدة على هيئة حيوانات، بجانب تمثال إله الموت الشهير، التي تمت سرقتها بعد ثورة يناير أيضًا، من أكبر سرقات الآثار في العالم قبل سنوات، بعدما تمكن اللصوص من سرقة أكثر من 1000 معروضة، أكثرهم أهمية منحوتة يعود أصلها إلى الحجر الجيري، أي قبل 3500 عام من الآن، الأمر الذي دعا العديد من الجهات الدولية ومنها اليونسكو، لتقدير قيمة المسروقات الأثرية المصرية سنويًا بما يقارب  6 مليارات دولار.

ومن الآثار التي أثارت ضجة كبرى أيضًا، بيع تمثال فرعوني عمره 3500 عام، في مزاد علني بالعاصمة البريطانية، وهي الطريقة التي يبدو أنها أثارت استياء الحكومة المصرية، بعدما وضعتها هذه الطريقة في حرج بالغ أمام الرأي العام، مما دعاها للاعتراض رسميًا داخل بيرطانيا.

مصر مستاءة من بيع تمثال فرعوني بـ27 مليون دولار في بريطانيا

لغز متحف اللوفر في دبي

عربيًا.. لم يكن متحف اللوفر "أبو ظبي" بعيدًا عن شبهات الاستفادة الحرام من الآثار المصرية، الذي يعرض الآثار النادرة إلى جانب قطع أثرية من سائر حضارات الدنيا، ورغم الكثير من الإيضاحات الرسمية التي صدرت من بعض المسؤولين الإماراتيين، عن أصول ملكية القطع المصرية المعروضة في لوفر أبو ظبي، الذين قالوا إنها معارة من فرنسا إلى الإمارات، بجانب توثيق ملكية كل قطعة موجودة بالمتحف، وجميعها يعود تاريخ خروجها من مصر لأكثر من 50 عامًا، إلا أن العقل الجمعي المصري والعربي لم يرتح لهذه الروايات.

مسلات باريس

وكان قانون الآثار المصري الصادر عام 1951، يشرعن بشكل غير مباشر تجارة الآثار، وأعطى المتاحف الأجنبية حق الملكية، وخاصة البعثات التي كانت تأتي وتتحمل ثمن التنقيب عن الآثار داخل مصر، باعتباره ترويجًا مجانيًا للحضارة المصرية في أوروبا، وهو الصك الشرعي الذي اعتمدت عليه الإمارات في الرد على اتهامها بضم آثار مصرية مهربة، وهي مزاعم لا تعفيها من المسؤولية، خاصة إذا ما تتبعنا رد مصر على أنباء تدشين هذا المتحف قبل 10 سنوات، والهجوم الشرس لزاهي حواس، وزير الآثار الأسبق على المشروع، واتهامه بشكل رسمي للقائمين عليه في فرنسا والإمارات بسرقة آثار مصر. 

ﺍﻹﻣﺎﺭﺍﺕ ﺗﻌﺮﺽ ﺁﺛﺎﺭًﺍ ﻓﺮﻋﻮﻧﻴﺔ ﻣﺴﺮﻭﻗﺔ ﻓﻲ ﻣﺘﺤﻒ ﻟﻮﻓﺮ ﺃﺑﻮ ﻇﺒﻲ.. فهل ﺗﻄﺎﻟﺐ ﻣﺼﺮ ﺑﺎﺳﺘﻌﺎﺩﺗﻬﺎ؟

تاريخيًا.. كانت فترة الاحتلال سواء الفرنسي أم الانجليزي لمصر، من أسوأ الفترات في تاريخ البلاد، استنزافًا لكنوزها، بعدما تم تهريب آثار نادرة، لمسلات فرعونية بأحجامها الضخمة، يتم عرضها الآن في شوارع ومعارض ومتاحف بريطانيا وفرنسا، ولم تسطع مصر استرجاعها بسبب القوانين الظالمة التي وضعت في القرن الماضي، وأعطت المحتل الحق في اغتصاب ثروات وتاريخ البلاد.  

وتستحوذ فرنسا على 4 مسلات تاريخية، أسمتها مسلات باريس، ولتعاطفها مع مصر، اكتفت بوضع اسم رمسيس الثاني على المسلات وكأنها تحترم التاريخ، وتضع حاليًّا واحدة من هذه المسلات وسط ساحة الونتابلو، وكانت قد هرُبت مع نابليون في أثناء الحملة الفرنسية التي حملت معها جزءًا  كبيرًا من تاريخ الحضارة المصرية، وأعطته لمتحف اللوفر الذي استثمرها في عمل جناح كامل للآثار المصرية، بضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، أهمها على الإطلاق رأس الملك خوفو الشهيرة. 

فيما احتفظت بريطانيا لنفسها بحجر رشيد الذي انتزعته جبرًا من فرنسا، لتدعم به المتحف البريطاني الذي يضم هو الآخر 7 غرف كاملة، ويتربح المتحف الملايين من خلف الآثار المصرية المهربة التي تضم تماثيل ومومياوات وأثاث وبرديات تاريخية، وجميعها حصلت عليها بريطانيا بشكل تدريجي أيام احتلالها لمصر.