لم تكن الحوارات بين مجلس سوريا الديمقراطية والنظام السوري في دمشق قد بدأت، حتى بدأ التوتر يسود الأجواء في مناطق السيطرة المشتركة لقوات الطرفين، الأمر الذي حمل إشارات بوجود عراقيل في مسار الحوار بينهما، فبعد أن أُعلن تشكيل لجان للتنسيق بين الطرفين خاصة في المجال الخدمي والمؤسسات العامة، قفزت إلى المشهد قضية إغلاق الإدارة الذاتية للمدارس السريانية التي تدرس مناهج النظام السوري، ليرد النظام السوري بإغلاق فرع جامعة الفرات في الحسكة بكلياته ومعاهده وبدأت سلسلة الاستفزازات المتبادلة بين الطرفين.

ومن ثم جاء رفض "الإدارة الذاتية" لإجراء النظام السوري لانتخابات الإدارة المحلية التي حدد الأسد، الـ16 من الشهر الحاليّ موعدًا لإجرائها.

وكانت أكبر ارتدادات تعرقل الحوار بين الطرفين إعلان الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا من مجلس سوريا الديمقراطية، الذي ظهر أنه بدفع أمريكي، وآخر فصول التوتر بين كل من قوات الإدارة الذاتية والنظام السوري، الإشكال الذي حصل قبل عدة أيام في مدينة قامشلي، حين اشتبكت مجموعة من قوات الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية "الآسايش" مع دورية لفرع الأمن العسكري التابع للنظام في المدينة، وخلفت 13 قتيلاً في صفوف النظام السوري وقتيلاً واحدًا وجريحًا في صفوف "الآسايش"؛ الأمر الذي دل في بدايته على تأزم الخلافات بين الطرفين وأوحى بأن صدامًا قريبًا وعلى نطاق واسع يلوح في الأفق.

هذا الخلاف حاول "مجلس سوريا الديمقراطية" تلافيه عبر بيانه بخصوص الاشتباكات بين الآسايش وقوات النظام، والذي حمل في طياته تلميحًا لوجود طرف دون تسميته عمل على افتعال الاشتباك، داعيًا في ذات البيان إلى التهدئة.

ترافق إعلان بولتون البقاء في سوريا، مع تقديم الولايات المتحدة الأمريكية لدعم عسكري ولوجستي لقوات سوريا الديمقراطية

كل هذه التطورات التي حصلت خلال ما يقارب الشهر، أعادت العلاقة بين الطرفين إلى ما قبل البدء بالحوارات في دمشق، فخلال السنوات الثلاثة الماضية، حصل أكثر من صدام بين الطرفين كان أوسعها وأكثرها حدة ما حصل في الحسكة صيف عام 2016، وحينها دخل التحالف الدولي ولأول مرة على خط الصراع بين الإدارة الذاتية والنظام السوري ليفرض حظرًا جويًا على المنطقة، منعًا لأي قصف جوي للنظام لمراكز قوات سوريا الديمقراطية.

بالعودة إلى الحوارات بين مجلس سوريا الديمقراطية والنظام السوري، ذهبت جل التحليلات حينها إلى أنها بدأت بدفع روسي أمريكي كل للطرف الذي يدعمه في سوريا، وذلك وفقًا للتقارب الذي حصل بين ترامب وبوتين في أثناء قمة هلسنكي، أيضًا تلويح الولايات المتحدة الأمريكية على لسان رئيسها دونالد ترامب بأنهم عازمون على الانسحاب من سوريا، وهذه التحليلات كانت منطقية حينها بحسب الظرف العام آنذاك.

لكن جملة من الأحداث غيرت ملامح السياسية الأمريكية في سوريا، وتغيرت بذلك المعطيات والظروف، وكانت أبرز تلك الأحداث تعيين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسيناتور جون بولتون كمستشار للأمن القومي الأمريكي، فمجيء بولتون الجمهوري المتشدد ليكون مستشار الأمن القومي في الإدارة الأمريكية، وهو المؤمن بضرورة الحروب الوقائية والذي دعم غزو العراق ويشجع الحل العسكري في التعاطي مع الملف الكوري الشمالي، غيّر من السياسة الأمريكية في سوريا أيضًا، وبدا ذلك جليًا حين أعلن بولتون نفسه فور تعيينه، بأن الولايات المتحدة الأمريكية باقية في سوريا ليس فقط حتى القضاء على داعش بل حتى زوال الخطر الإيراني، الأمر الذي يفهم منه أن القوات الأمريكية ليس لديها النية بالانسحاب من سوريا في المدى القريب.

كان للنظام السوري تغير في اللهجة مع "مجلس سوريا الديمقراطية" ورفض مقترحات بخصوص الإدارة الذاتية لمنطقة سيطرتها، وتمسكها بما ينص عليه الدستور الحاليّ في سوريا

وترافق إعلان بولتون البقاء في سوريا، مع تقديم الولايات المتحدة الأمريكية لدعم عسكري ولوجستي لقوات سوريا الديمقراطية، وأيضًا التحرك الدبلوماسي المكثف للمبعوث الأمريكي وليام روباك في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية كانت دلالات على أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد التأكيد على بقائها في المنطقة، وأيضًا حملت رسائل طمأنة لحليفتها السورية أي الإدارة الذاتية بأنها باقية في سوريا ولا داعٍ للذهاب مع دمشق إلى اتفاق نهائي، خشية أن تنسحب الولايات المتحدة من البلاد وتتركها لمصيرها مع النظام السوري المدعوم روسيًا، والشره للسيطرة على أي منطقة تسمح الظروف له بالسيطرة عليها، بعد أن استعاد عافيته على الصعيد العسكري خلال العامين الماضيين.

وكانت ثمرة هذه التحركات إعلان مجلس سوريا الديمقراطية للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا أي مناطق نفوذ الولايات المتحدة في سوريا. أيضًا كان للتوجه الأمريكي الجديد في سوريا رد فعل من خصومه، فعلى المستوى المحلي السوري، كان للنظام السوري تغير في اللهجة مع مجلس سوريا الديمقراطية ورفض مقترحات بخصوص الإدارة الذاتية لمنطقة سيطرتها، وتمسكها بما ينص عليه الدستور الحاليّ في سوريا أي إدارة محلية موسعة في المنطقة وعودة النظام إلى المنطقة بشكل شبه كامل.

ومن ثم جاءت تصريحات الرئيس الروسي في قمة طهران التي جمعته والرئيس الإيراني حسن روحاني إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي أكدت ضرورة استعادة النظام السوري السيطرة على كامل الجغرافية السورية.

إذًا، لم تتكلل المحاولة الأولى بين النظام السوري والإدارة الذاتية للتحول إلى تفاوض حقيقي بين الطرفين، بل كانت محاولة على هامش التقارب الروسي الأمريكي مع قمة هلسنكي بين ترامب وبوتين، وتوقفت المحاولة مع تغير السياسة الأمريكية تجاه سوريا، وعودة الصراع إلى حدته بين الولايات المتحدة وروسيا في سوريا.