ترجمة حفصة جودة

تعاني معظم أفغانستان الآن من انخفاض بنسبة 60% لمياه الأمطار والثلوج اللازمة لإنتاج الغذاء، أدت الزيادة الشديدة لعدد سكان كابل وظروف الجفاف الشديد في جميع أنحاء البلاد وشبح تغير المناخ إلى الحاجة الملحة لبنية تحتية جديدة للمياه، لكن بناءها أمر معقد سياسيًا، فالحدود الأفغانية الباكستانية تشتهر بأنها متاهة معقدة من الأنهار العابرة للحدود، وليس هناك إطار قانوني لتجنب صراع كبير بين تلك الدول.

لذا؛ ليس من المستغرب أن يبدأ العمل في ولاية شاهار أسياب بكابل على نهر "مايدان" أحد روافد نهر كابل وذلك بالبدء قريبًا في بناء سد شاهتوت، سوف يتحمل السد 146 مليون متر مكعب من المياه الصالحة للشرب التي تكفي احتياجات مليوني مواطن في كابل وريّ 4000 هكتار من الأراضي الزراعية، كما سيوفر أيضًا مياه الشرب لمدينة جديدة في ضواحي كابل تُسمى داه سابز، فبعد عقود من الحروب المدمرة في أفغانستان سوف تتمكن أخيرًا من تنمية الاقتصاد والكهرباء باستخدام الطاقة الكهرومائية.

لكن هذا التطور الطموح يغذي مخاوف باكستان من أن السد الجديد قد يغير تدفق نهر كابل ويقلل من حصة المياه للبلاد في المستقبل، وقالت الصحيفة الباكستانية "داون" إن تدفق المياه قد ينخفض بمعدل 17% بعد الانتهاء من بناء سد شاهتوت والسدود الأخرى المخطط لها.

وبالإضافة إلى خفض تدفق المياه لباكستان، فسد شاهتوت لديه قدرة فريدة على تصعيد التوتر في المنطقة نظرًا لتمويله الهندي، حيث تقوم الهند باستثمارات كبيرة في البنية التحتية الأفغانية في السنوات الأخيرة، من بناء الطرق السريعة إلى إصلاح المباني الحكومية والسدود التي تأثرت بالصراع.

نقص المياه يؤدي إلى نقص الغذاء وارتفاع الأسعار وحدوث المجاعات وكلها أسباب لزعزعة الاستقرار

منذ عام 2001 تكفلت الهند بنحو ملياري دولار من أجل المشاريع التنموية في أفغانستان، وبينما يقول المحللون الأفغان إن السد ضروري لمواجهة نقص المياه الأفغانية في المستقبل، يرى المسؤولون الباكستانيون في إسلام آباد أن السد هو الخطوة الأخيرة في خطة الهند الكبرى لتضييق الخناق على إمدادت المياه الباكستانية المحدودة، ولأن باكستان فشلت في بناء بنية تحتية كافية من الطاقة الكهرومائية، يخشى بعض الباكستانيين من أنهم قد يضطرون لشراء الكهرباء من أفغانستان في المستقبل.

كان تقرير لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي عام 2011 عن الأمن المائي في وسط آسيا قد تحدث عن أزمة المياه القادمة وأنها تهدد الأمن الإقليمي، وتحدث عن دور الهند في بناء سد شاهتوت وقال إن تقديم الدعم المناسب سيكون له تأثير جيد في الاستقرار أما تقديم الدعم الخاطئ فمن شأنه إثارة الدولة المجاورة، وإذا أدى التنافس على مصادر المياه المحدودة إلى تدهور العلاقات بين باكستان وجيرانها فسوف ينعكس صدى ذلك على العالم كله.

عادة ما يؤدي نقص المياه إلى نشوب الحرب، فنقص المياه يؤدي إلى نقص الغذاء وارتفاع الأسعار وحدوث المجاعات وكلها أسباب لزعزعة الاستقرار والصراع، كان الرئيس الأفغاني قد أوضح أن تحسين توافر المياه من خلال السدود أولوية قومية والسبب في ذلك أن الآبار الأفغانية في طريقها للجفاف، فقد أكدت دراسة أجرتها جامعات أفغانية وألمانية وفنلندية عام 2017 أن أفغانستان بحاجة ماسة لتطوير البنية التحتية للمياه وحسن إدارتها.

كانت مدينة كابل قد بُنيت لتتحمل مليون نسمة فقط، لكن في 2018 وصلت الكثافة السكانية لـ5 ملايين نسمة، ويعتمد معظم سكان كابل الآن على المياه الجوفية لكنها تنضب بشكل سريع نظرًا لعدم تنظيم آلاف الآبار، ومن المفترض أن يوفر سد شاهتوت حاجة المدينة للمياه النظيفة وريّ آلاف الأفدنة في بلد يعتمد 85% من سكانها على الزراعة من أجل المعيشة.

هذا الوضع يشكل تهديدًا لبلد مثل باكستان التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة

لكن حاجة أفغانستان الملحة للمياه لا تفعل الكثير لتهدئة التوتر الباكستاني، فكلا الدولتين تعانيان من شح المياه وتعتمدان على نهر كابل لمياه الشرب والزراعة وتوليد الطاقة، تشعر باكستان بمخاوف منطقية من الاستثمار الهندي في السدود الأفغانية، فتدفق نهر كابل إلى باكستان قد يقل بسبب السدود التخزينية مما يزيد التوتر في المنطقة التي تعاني بالفعل، وليس هذا السد هو الوحيد الذي يثير مخاوف باكستان، فقد ساعدت الهند أفغانستان بدراسات عن جدوى إنشاء 12 سدًا آخر على نهر كابل بحيث تتمكن من توليد نحو 1177 ميجاوات من الطاقة، مما يقلل من تدفق المياه لباكستان.

هذا الوضع يشكل تهديدًا لبلد مثل باكستان التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة، يقول تقرير معهد الموارد العالمية إن باكستان قد تصبح أكثر الدول التي تعاني من نقص المياه في المنطقة بحلول عام 2040 دون الوضع في الاعتبار انخفاض تدفق نهر كابل.

وبالإضافة إلى مخاوف باكستان، كانت الهند قد وقعت أيضًا على اتفاقة مؤقتة مدتها 18 شهرًا للإشراف على تشغيل ميناء تشابهار الإيراني الذي قد يقلل في المستقبل من اعتماد أفغانستان على باكستان ويوفر للهند طريقًا مباشرًا لأفغانستان دون تدخل باكستان.

لكن إذا كانت أفغانستان تنتوي تطوير وضعها فإنها بحاجة لتحسين علاقاتها مع جيرانها الذين تتشارك معهم تاريخ طويل وكذلك المستقبل الاقتصادي، فأكدت أفغانستان أن تأثير السد سيكون محدودًا على باكستان لكن ذلك لم يؤدي إلا لمزيد من الغضب في إسلام آباد.

عقدت جامعة بيشاور في باكستان مؤتمرًا هذا الشهر بعنوان: "الاستخدام المستدام بنهر كابل: تحديات وفرص التعاون الباكستاني الأفغاني" لتسليط الضوء على أهمية دبلوماسية المياه الثنائية والتعاون بين أفغانستان وباكستان.

قد تؤدي اتفاقية تقسيم المياه مع باكستان إلى الحد من تقنيات الزراعة المستخدمة وبعض أنواع مشاريع الطاقة الكهرومائية التي يمكن بناؤها على طول النهر، وحذر الأكاديميون في المؤتمر من العواقب البيئية لبناء سلسلة السدود، حيث ستؤدي إلى تحويل المياه ونقص المياه وإهدارها وتلوثها ومشكلات زراعية وأضرار بيئية وفيضانات وجفاف وإضرار بالمحاصيل ومشكلات اقتصادية اجتماعية وهجرة بشرية جماعية وهجرة موسمية للطيور.

ستظل الحرب الإقليمية على المياه خطرًا حقيقيًا

لذا على نطاق واسع إذا أضرت السدود الأفغانية بقدرة باكستان على ريّ محاصيلها وتوفير الغذاء لشعبها، فقد يؤدي ذلك إلى النزاع بين الدول.

في الحقيقة، كان الصراع على حقوق استخدام المياه مصدر قلق مزمن في المنطقة، فقد ازداد التوتر بين باكستان والهند على المياه المشتركة منذ التقسيم عام 1947، هذا الانفصال أدى إلى اضطراب نظم الري المعمول بها منذ قرون وفتح الباب أمام نزاعات جديدة.

خففت "اتفاقية مياه السند" - المتنازع عليها لكنها ما زالت فعالة - من الآثار الحادة للتقسيم ووفرت إطارًا قانونيًا لمشاركة المياه بين الهند وباكستان منذ توقيعها عام 1960، والآن تتسبب صحوة الاقتصاد الأفغاني في إضفاء التوتر على السلام الإقليمي المضطرب، فتلك الصحوة تتطلب كهرباءً ومسطحًا مائيًا، وأفغانستان بحاجة للحصول على فرصتها في النمو مثل جيرانها وهي بحاجة للطاقة لتحقق هذا النمو.

ولأن الهند تقدم الدعم المادي والمساعدات لكابل، ستظل الحرب الإقليمية على المياه خطرًا حقيقيًا، فالهند وباكستان لديهما جيوش قوية وأسلحة نووية، لكن ليس من المتوقع أن تنشب حربًا شاملة لأنها ستكون مدمرة لكل الأطراف، لكن ربما تحدث حرب مياه إستراتيجية تدريجية وستكون حربًا قاتلة، ومن الممكن أن تقوم الهند وأفغانستان بخفض تدفق المياه تدريجيًا إلى باكستان دون إعلامها مسبقًا.

لتجنب حدوث صراع إقليمي كبير يجب على باكستان وأفغانستان البدء في الاهتمام بدبلوماسية مائية إقليمية، وأول خطوة دعم مشاركة البيانات مع الدول المجاورة ووضع التوقعات العلمية لتأثير السدود المخطط لها على تدفق المياه، ويجب أن يشارك العلماء في الدعم العلمي والدبلوماسي الدولي.

من الممكن معالجة التوتر بشأن سد شاهتوت من خلال دبلوماسية مائية فعالة، وتوقيع معاهدة مياه بين باكستان وأفغانستان على غرار معاهدة مياه السند قد يكون حلاً فعالاً، وإذا كان الخصمان اللدودان (الهند وباكستان) قد نجحا في الحفاظ على حوار مفتوح في تلك البيئة الدبلوماسية المضطربة، فتستطيع أفغانستان وباكستان الالتزام باجتماع سنوب لمناقشة جوانب محددة في تلك المعاهدة المحتملة.

يجب أن تتجاوز الضرورة الحتمية لمنع أي توتر بشأن سد شاهتوت، التوترات الحاليّة بين أفغانستان وباكستان، ويجب أن تضمن البلدان أن مصادر مياههما المشتركة تحفظ الأرواح في المنطقة بدلاً من أن تصبح سببًا لاشتعال الصراع وإنهاء تلك الأرواح.

المصدر: فورين بولسي