ترجمة وتحرير نون بوست

لكل بلد يُنتج السيارات داخل مصانعه وبسواعد أبنائه سيارة رمزية تُعَد هي “السيارة الوطنية”. في ألمانيا هي فولكس فاجن؛ في الولايات المتحدة هي كاديلاك؛ في كوريا الجنوبية هي كيا؛ وفي اليابان هي تويوتا. إيران أيضًا تمتلك سيارتها الوطنية الخاصة: بَيكان (وتعني السهم بالفارسية.) بالطبع لم تكن بيكان على نفس مستوى نظيراتها اليابانية والألمانية، ولكنها رمز للقدرة التصنيعية الإيرانية للكثير من الإيرانيين، لا سيّما وقد لحقت بها السياراتان سَمَند ودِنا الأكثر تطورًا. تعج شوارع طهران بتلك السيارات الإيرانية، وأيضًا في بغداد وكاراكاس وموسكو حيث يتم تصديرها بشكل محدود.

أنتجت إيران بنجاح 1.4 مليون سيارة عام 2011، لتكون بذلك في المركز 12 عالميًا من ناحية تصنيع السيارات، مما وضعها في مرتبة متقدمة عن بريطانيا (المركز 13) وإيطاليا (المركز 24)، وهو أمر غير مستغرب بالنظر لعمل الآلاف من المهندسين في ذلك القطاع بالتحديد، وهو ثاني أكبر قطاع صناعي في البلاد (باستثناء النفط).

كان صعود إيران في عالم السيارات مفاجأة لكثيرين، بيد أن سقوطها السريع مؤخرًا جرّاء العقوبات على بنكها المركزي عام 2011، والتي ظهرت تبعاتها على الاقتصاد منذ عام 2012 وصاعدًا، أدى إلى هبوط الإنتاج بحوالي 40٪ في عام 2013 فقط، وتباعًا إلى المركز 21 عالميًا.

يرجع تاريخ صناعة السيارات في إيران إلى عصر الشاه، والذي حاول تدشين صناعة سيارات محلية عبر تأسيس “إيران ناشونال”، أول شركة لإنتاج السيارات في إيران، والتي بدأت بإنتاج بَيكان، غير أنها كانت أنذاك معتمدة بشكل أساسي على تجميع أجزاء السيارة المختلفة من الخارج، وبالتالي ظلت معتمدة بشكل كبير على التكنولوجيا والموارد الخارجية، وهو ما جعل الشاه موضع نقد من كثير ممن رأوه يروّج لاستهلاك المنتجات الغربية. ازداد هذا النمط في الاعتماد على الاستيراد بعد صعود أسعار النفط عام 1973، حيث ارتفعت الدخول فجأة، وأدت إلى الطلب المباشر والآني على السلع المتطورة، لا سيما السيارات، وهو ما لم يكن بوسع الصناعة المحلية غير الكفء حينها أن تلبيه.

بسقوط نظام الشاه وقيام الثورة الإسلامية، سرت وعود بتأسيس اقتصاد أكثر استقلالًا في الصناعة والإنتاج، بل وأن يصبح لاعبًا هامًا في التصدير إقليميًا وعالميًا. مع الأسف، تعثرت تلك الوعود إثر استنزاف القوى الإيرانية في الحرب مع إيران في الثمانينيات، والعقوبات الأمريكية المستمرة منذ الثورة، والعقوبات الدولية التي تبناها المجتمع الدولي منذ سنوات، بيد أنها لم تتوقف تمامًا، حيث ازداد الطابع الاستقلالي للاقتصاد الإيراني بشكل عام على مدار العقود الثلاثة الماضية مقارنة بما كان عليه الحال قبلًا، وهو ما جعل إيران اليوم حاضنة لصناعات تكنولوجيا متقدمة، مثل السيارات والتعدين والبتروكيماويات والنانوتكنولوجي، وعلى العكس من جيرانها الذين ركنوا إلى دولارات النفط ليشتروا بها ما شاءوا من سلع الغرب الأكثر تطورًا، نجحت إيران في تنويع مصادر دخلها مقارنة بدول النفط الكبرى المشابهة، إذ يمثل دخلها من النفط والغاز 60٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

كان الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني هو من أعطى صناعة السيارات دفعة في إطار خططه لانتشال الاقتصاد الإيراني من الدمار الذي لحق به جراء الحرب العراقية الإيرانية، وهي سياسة تكللت بالنجاح واستمرت تحت حكم الرئيس خاتمي في مطلع الألفية، وكذلك في عهد الرئيس أحمدي نجاد. في عام 2000، بدأت شركة إيران خودرو، التي كانت تصنّع سيارة بَيكان المتواضعة، في إنتاج وبيع سيارة سَمَند، ثم سورَن، مع سبعة سيارات أخرى، على المستوى المحلي. ومع ذلك، لم تستطع إيران تصدير سياراتها تلك للسوق العالمية نظرًا لضعف سياساتها التجارية، ووجود العقوبات الدولية. سيارات إيران بالطبع ليست مطلوبة بشدة إذ لا تصل جودتها لنظيراتها اليابانية مثلًا، ولكنها تُعتَبَر جيدة نسبيًا للتصدير إلى دول نامية كثيرة، حيث يمكن لجودتها أن تماثل السيارات الكورية مثل كيا وهيونداي إذا ما استفادت من المنافسة الدولية، بل إن الكثير من التقييمات تشير لأنها أعلى جودة من السيارات الصينية.

بالنظر لسهولة الوصول للعُملة الأجنبية عبر مبيعات النفط، وحكم السوق المحلي الكبير نسبيًا والذي يكفي لبيع السيارات بشكل جيد، لم تجد إيران نفسها حافزًا مُلِحًا للتصدير، سوى مع العقوبات الأخيرة منذ 2011، وهو العقوبات التي قد يمثّل رفعها في إطار صفقة مع الغرب بشأن البرنامج النووي دفعة كبرى للسيارة الإيرانية.

تلوح في الأفق بالفعل بوادر أمل لذلك، إذ استضافت إيران منذ فترة معرضًا عالميًا للسيارات لجذب الاستثمارات الأجنبية وتبادل الخبرات التكنولوجية، وهو أمر سيساعد إيران على الوصول بشكل أفضل للأسواق الدولية، وتحسين جودة إنتاجها عبر المنافسة مع نظيراتها حول العالم، وكذلك بناء شراكات مع شركة السيارات الكبرى عالميًا للاستثمار في إيران خودرو وشركة سايبا.

بالانفتاح المرتقب — كما يأمل كثيرون — على الاقتصاد العالمي، سيكون لإيران عائد أعلى من الصادرات، وسيتاح لنجم إيران أن يسطع كما ينبغي في عالم السيارات، كما الحال مع كوريا الجنوبية، والتي ما ذاع صيتها إلى في العقدين الماضيين.

المهمة ليست صعبة إذن على السيارة الإيرانية، بل وغيرها من الصناعات، والتي تثبت باستمرار خطأ ما يقوله الاقتصاديون التقليديون عن استهلاكية المجتمعات المعتمدة على النفط وعدم وجود حافز لديها للتصنيع.

المصدر: دورية جامعة ييل الأمريكية للشؤون الدولية